فهرس الكتاب
ينفع العاصين.
روى الإمام أحمد في مسنده قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني ) ) [1] ، وهذا دليل واضحٌ، وبرهانٌ ساطع، على فائدة الاستغفار للمسلم المذنب، وأثره في حياته، وعلى ما يمثله من خسارة، ودمار للشيطان، ومخططاته، فالشيطان الرجيم عليه لعنة الله هو عدو المسلم المبين. وعداوته قائمة على إبعاد المسلم عن ربه، والسير به في طريق الهلاك والخسران.
ويأتي الاستغفار عطية من الله تعالى لعبده المسلم المذنب، وسياجًا واقيًا يحتمي به من غواية الشيطان وإضلاله، وصخرة صلبة تتحطم عليها معاولُه، وأدواته في الإغواء، والشر، فيهيئ الاستغفار الفرصة للمسلم المذنب في المراجعة، والندم - والندم توبة -، والإقلاع عن الذنب، ثم السير في طريق الصلاح، والإصلاح، فالاستغفار مظهر من مظاهر العبودية لله تعالى، وذلك أن قول المسلم: (( أستغفر الله ) )معناه أطلب المغفرة، ممن تطلب منه، وهو الله جلاله، فلا تطلب المغفرة من ملَك مقرب، أو نبي مرسل، أو ولي صالح، أو أحد من خلق
الله تعالى، مهما كانت منزلته عند الله، وعند خلقه، وحتى على
فرض أنها طلبت من أحدٍ سوى الله تعالى فهو غير قادر عليها؛
لأنها ليست مقدورة له، وهي ليست من صفاته، فالله تعالى وحده هو (غَافِرِ الذَّنْبِ [2] وهي آية وحيدة في كلام الله تعالى، فلا يوصف أحد من الخلق بأنه غافر الذنب. فالله تعالى هو الذي يغفر ذنوب عباده، ويبدلها لهم حسنات، ويتوب عليهم، فمن الذي يقدر على ذلك من
الخلق؟ إنه لا يغفر الذنوب أحدٌ إلا الله تعالى، وفي ذلك ترغيب لطلب المغفرة منه سبحانه، وتنشيط للمذنبين كي يقفوا في مواقف الخضوع والتذلل لله تبارك وتعالى. فإحساس المسلم المذنب بأن له ربًا كريمًا يغفر الذنب، وأنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه، فلا يستغفر إلا إيَّاه، ولا تطلب المغفرة إلا منه، فالاستغفار دليل على إيمان المسلم بربه سبحانه، ودليل على إقراره بربوبية الله تعالى وإلهيته، ودليل على إقراره بعبوديته له جل جلاله، فالمعاني التي يشتمل عليها الاستغفار معانٍ شريفة جليلة، ولها
(1) مسند الإمام أحمد (3/ 29، 41) .
(2) سورة غافر: (3) .