الغواية، ويبتعد بسببِها عن الحق مَن يبتعد مِن أهل الضلالة، فتتحير العقول وتتقلَّب القلوب، فيُثَبِّت الله - عز وجل - قلوب المؤمنين بما أنزل مِن كتابه الكريم مِن آيات هي نور وهدى وشفاء لما في الصدور ورحمة لقوم يؤمنون .. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
وهذه الأوامر القرآنية التي تضمنتها الآيات أمر الله - عز وجل - نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين فيها بتوجيهات عظيمة وآداب حكيمة أولها الاستقامة {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت} .
وقد فسرها السلف بعدة تفسيرات كلها من الحق، منها وأعظمها: الاستقامة على التوحيد والإيمان وعدم الارتداد إلى الشرك؛ فإن الذي قال: ربي الله، ثم استقام على ذلك فلم يرجع ولم يبتعد قد حصَّل أصل الاستقامة, ولا تحصل الاستقامة إلا بالاستقامة على التوحيد والإيمان والابتعاد عن الشرك والطغيان الذي هو مجاوزة الحد والذي هو أعظم الظلم والعياذ بالله.
وأصل الاستقامة في القلب، فيستقيم القلب على الإيمان حبًا لله - عز وجل -، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، وإنابةً، وشوقًا إليه سبحانه، وزهدًا في الدنيا، ورغبةً في ما عند الله، وشكرًا لنعمه، وصبرًا على بلائه، ورضًا بقضائه .. فاستقامة القلب على الإيمان هو أصل الاستقامة التي أمر الله - عز وجل - بها، وهو الذي يتفرع عليه بعد ذلك أنواعها, ولذلك فلابد أن يكون المؤمن مُهتمًا بحال قلبه وبما يَرِدُ عليه مفتِّشًا فيما يقع في نفسه من خواطر وإرادات وعزائم ينظر فيها مستبصرًا: من أين أتته؟ أهي مما أمر الله - عز وجل - به وذلك من فضله سبحانه؟ أم هي مما يلقي الشيطان من بذور الشر والفساد لتُنبت في القلب أنواعَ الأمراض التي يريد أن يهلك بها الإنسان من إرادات العلو والفساد في الأرض, إرادة العلو بالرياسة والملك والسلطان, وإرادة الفساد باتباع الشهوات الدنيئة الخسيسة ذلك الذي يضل به الناس عن الاستقامة, وقد جعل الله - عز وجل - الدار الآخرة {لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا}