فهرس الكتاب
الحديث الثالث: هو حديث:"الختان سُنَّة للرجال، مكرُمة للنساء".
وسنتحدَّث عن كلِّ حديث منها بما يبيِّن قصورها عن الاستدلال بها على هذا الحكم. ونبادر هنا فنقول: إن ما ورد من أحاديث حول ختان الإناث في السنة المشرَّفة، لم يصحَّ منها حديث واحد، صريح الدلالة على الحكم، أجمع على تصحيحه أئمة هذا الشأن الذين يُرجع إليهم فيه: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:14] ، {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:59] .
ومن المعلوم المجمَع عليه عند أهل العلم جميعا، محدِّثين وفقهاء وأصوليين: أن الحديث الضعيف لا يُؤخذ به في الأحكام، وإنما تساهل مَن تساهل في روايته والاستفادة منه في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ونحوها، أما الأحكام وما يتعلَّق بالحلال والحرام، والإيجاب والاستحباب، فلا. وهو أصل مجمَع عليه بيقين.
وهنا لم يوجد إلا حديث واحد صحيح، ولكن لا دلالة فيه على المطلوب.
مناقشة الأحاديث المستدل بها:
ويجدر بنا أن نناقش الأحاديث التي استدلَّ بها أهل الفقه، حديثا حديثا، في صحتها، وفي دلالتها.
1 -أما حديث:"إذا التقى الختانان وجب الغسل" [2] ، فهو يدلُّ على أن النساء كن يختنن، أي يدلُّ على وجود الختان عند العرب، وهو ما لا نجادل فيه، فربما كان عادة عند بعضهم. إنما نجادل في الوجوب أو الاستحباب. أي نجادل في وجوده بناء على أمر قرآني أو نبوي، يدل على الوجوب أو الاستحباب.
وما ذكره بعض العلماء من تأويل"إذا التقى الختانان": بأن المراد ختان الرجل، وإنما ثُنِّي على التغليب المعروف في اللغة مثل: الأبوين (للأب والأم) ، والعمرين (لأبي بكر وعمر) ، ونحوهما: ليس بظاهر، ويردُّه رواية مسلم في صحيحه:"ومسَّ الختانُ الختانَ" [3] فلم يجئ بلفظ التثنية.
2 -وأما حديث أم عطية عند أبي داود: أن امرأة كانت تختِّن بالمدينة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تَنهَكي، فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب إلى البعل"فإن أبا داود قال عن محمد بن حسان - أحد رواته: مجهول، وهذا الحديث ضعيف [4] . وذهب الحافظ عبد الغني بن سعيد إلى أن هذا الراوي ليس بمجهول، بل هو معروف، وهو محمد بن سعيد المصلوب! فهو محمد بن سعيد بن حسان، الذي قتله المنصور صلبا على زندقته، قالوا: وضع أربعة آلاف حديث، ليضلَّ بها المسلمين. فهو متروك هالك.
وقد رُوي هذا الحديث من طرق كلُّها ضعيفة، وإن صحَّحه بتعدُّدها الشيخ الألباني، ولكن في النفس شيء من هذا التصحيح، فإن هذا أمر يهمُّ كل بيت مسلم، وهو مما تتوافر الدواعي على نقله، فلماذا لم ينقل إلا بهذه الطرق الضعيفة؟