الصفحة 63 من 113

وقد أدرك العرب بفطرتهم هذا الفضل ، وأقروا بمكانته ، وأحسوا إحساسًا سطرته كلمات الوليد بن المغيرة ، وهو خصم معاند لديد ، حيث قال:"والله إن لقوله حلاوة ، وأن أصله لعذق ، وأن فرعه لجناة ..."، من هذا وغيره نجد أن للقرآن تأثيرًا في النفس ؛ ذلك لجلال عظمته ، ومن التأثير في النفس يأتي الإعجاز البلاغي ، غير أنه ثمة إشكال على العلماء المختصين به ، وكذلك على متذوقيه ، فصاروا إذا ما سئلوا عن تحديد هذه البلاغة الفائقة في وصفها سائر البلاغات ، والتي اختص بها القرآن ، وعن المعنى الذي يتميز به عن سائر الكلام الموصوف بالبلاغة قالوا:"إنه لا يمكن تصويره ، ولا تحديده بأمرٍ ظاهرٍ ، نعلم مباينة القرآن عن غيره من الكلام ، وإنما يعرفه العالمون به ضربًا من المعرفة لا يمكن تحديده ، وقد شبه أثر البلاغة القرآنية بما يحسه الإنسان من استقامة الوزن ، أو الملاحة ، أو طيب النغم العارض للصوت وقال السكاكي:"اعلم أن إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها وكالملاحة وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما" (1) ."

ولو نظرنا إلى لفظة"بليغ"نجد أنها وردت بهذا اللفظ في سورة النساء قال تعالى:? أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا? (2) فقد تكلم فيها الزمخشري فقال:"بليغًا أي قل لهم قولًا بليغًا في أنفسهم،مؤثرًا في قلوبهم،يغتمون به اغتمامًا، ويستشعرون منه الخوف استشعارًا" (3) ، أما أمر النبي المكرم صلى الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-الاتقان في علوم القرآن: السيوطي ، 2/319

2-النساء 63

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت