طلب ترك الواجب ولذا أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد حين شفع في المخزومية التي سرقت فقال: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ وأما قبل الوصول إلى الامام والثبوت عنده تجوز الشفاعة عند الرافع له إلى الحاكم ليطلقه لان الحد لم يثبت، كذا في فتح القدير. والتحقيق أن الحدود موانع قبل الفعل زواجر بعده أي العلم بشرعيتها يمنع الاقدام على الفعل وإيقاعه بعده يمنع من العود إليه فهي من حقوق الله تعالى لانها شرعت لمصلحة تعود إلى كافة الناس فكان حكمها الاصلي الانزجار عما يتضرر به العباد وصيانة دار الاسلام عن الفساد، ففي حد الزنا صيانة الانساب، وفي حد السرقة صيانة الاموال، وفي حد الشرب صيانة العقول، وفي حد القذف صيانة الاعراض فالحدود أربعة، وما في البدائع من أنها خمسة وجعل الخامس حد السكر فلا حاجة إليه لان حد السكر هو حد الشرب كمية وكيفية وإن اختلف السبب. واختلف العلماء رحمهم الله في أن الطهرة من الذنب من أحكامه من غير توبة فذهب كثير من العلماء إلى ذلك، وذهب أصحابنا إلى أنها ليست من أحكامه فإذا أقيم عليه الحد ولم يتب لم يسقط عنه إثم تلك المعصية عندنا عملا بآية قطاع الطريق فإنه قال تعالى * (ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا) * (المائدة: 34) فإن اسم الاشارة يعود إلى التقتيل أو التصليب أو النفي فقد جمع الله تعالى بين عذاب الدنيا والآخرة عليهم وأسقط عذاب الآخرة بالتوبة فإن الاستثناء عائد إليه للاجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا، وأما ما رواه البخاري وغيره مرفوعا أن من أصاب من هذه المعاصي شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبة (1) فيجب حمله على ما إذا تاب في العقوبة لانه هو الظاهر لان الظاهر أن ضربه أو رجمه يكون معه توبة منه لذوقه سبب فعله فتقيد به جمعا بين الادلة، وتقيد الظني مع معارضة القطعي له متعين بخلاف العكس، كذا في فتح القدير. وقد يقال: إذا كان الاستثناء في الآية عائدا إلى عذاب الآخرة لم يبق لقوله تعالى * (من قبل أن تقدروا