بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الجنايات أورد الجنايات عقيب الرهن لان كل واحد منهما للوقاية والصيانة فإن الرهن وثيقة لصيانة المال وحكم الجناية لصيانة النفس ألا ترى إلى قوله تعالى * (ولكم في القصاص حياة) * (البقرة: 179) ولما كان المال وسيلة لبقاء النفس قدم الرهن على الجنايات بناء على تقدم الوسائل على المقاصد، كذا في أكثر الشروح. قال في غاية البيان: ولكن قدم الرهن لانه مشروع بالكتاب والسنة بخلاف الجناية لانها محظورة فإنها عبارة عما ليس للانسان فعله ا ه. أقول: هذا ليس بشئ لان المقصود بالبيان في كتاب الجنايات إنما هو أحكام الجنايات دون أنفسها، ولا شك أن أحكامها مشروعة ثابتة بالكتابة والسنة. أيضا فلا معنى لتأخيرها من هذه الحيثية، ثم إن الجناية في اللغة اسم لما تجنيه من شئ أي تكسبه وهي في الاصل مصدر جنى عليه شرا جناية وهو عام في كل ما يقبح ويسوء إلا أنه في الشرع خص بفعل محرم حل بالنفوس والاطراف، والاول يسمى قتلا وهو فعل من العباد تزول به الحياة، والثاني يسمى قطعا وجرحا، هذا زبدة ما في الكتاب والشروح. الكلام في الجناية من أوجه: للاول في معرفة مشروعيتها. والثاني في سبب وجوبها. والثالث في تفسيرها لغة. والرابع في تفسيرها عند الفقهاء. والخامس في ركنها. والسادس في شرطها. والسابع في حكمها. أما الاول فهو معرفة مشروعيتها لقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) * (البقرة: 178) الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم العمد قود والقتل عدوان (1) او سبب مشروعية القصاص رفع الفساد في الارض. وأما معناها لغة فهي في اللغة اسم لما يجنيه المرء من شر وما اكتسبه تسمية للمصدر من جنى عليه شرا وهو عام إلا أنه خص بما يحرم من الفعل، وأصله من جنى التمر وهو أخذه من الشجرة، وأما في الشرع فهو اسم لفعل