الصفحة 10 من 39

أمره الله بالتبليغ، وفرضه عليه، وتوعده على تركه، فقال: {يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} . وقال: {فاصدع بما تؤمر} . وقال مخبرًا عن النبي صلى الله عليه وسلم {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} .

أي: ومن بلغه القرآن، ومع شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وحرصه عليهم، وعزة عنتهم عليه، فهل يجوز أن يتوهم المتوهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتم عن أمته بيان القرآن، وعصى أمر ربه، ولم يبلغ رسالته، وغش أمته، وتركهم يعتقدون الباطل، ويضلون عن الحق، ويضيعون عن الصواب، مع علمه بضلالهم، وإمكانه من هدايتهم بكلمة واحدة، فلا يقول في ذلك: حرفًا ولا شيئًا مما لا يسوغ لمسلم أن يعتقده، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم في خطبته في حجة الوداع: (( ألا هل بلغت ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. فرفع إصبعه إلى السماء وقال: اللهم فاشهد ) ).

ويقتضي قول هذه الطائفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بلغ، وأنه كاذب في دعواه التبليغ، وأصحابه كاذبون في شهادتهم له، وأن كل مسلم شهد للنبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة، والنصح لأمته، فهو كاذب في شهادته.

فليت شعري أيزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك بيان هذا الأمر قصدًا لإضلال أمته وإغوائهم، أو غفلة منه، وأن أستاذهم قصد لما غفل عنه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه والسادة من صحابته وتابعيهم، والأئمة من بعدهم، فبين الصواب، وأتم تبليغ الرسالة، وقصد لما لا يعلمه الله تعالى وخفي عن رسوله، وأمته. إن من رضي لنفسه هذا، لأهمل أن لا يكلم أصلًا.

الوجه الثاني: من الثاني: لو قدرنا أنه ساغ للنبي صلى الله عليه وسلم السكوت عن بيان القرآن، فكيف ساغ له إيهام أمته؟ أن القرآن غير ما هو قرآن، بما تلاه من الآيات التي ذكرناها، والأخبار التي رويناها ليضل أمته بذلك عن الصواب، ويعتقدوا غير الحق، ويصيروا حشوية مجسمين كما يعتقد فينا خصومنا ولو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت