الصواب عند الحلبي - في هذه المسائل العظيمة، والأصول الأصيلة عند أهل السنة والجماعة- هو ما يقرره المرجئة من أن العمل من مكمِّلات الإيمان لا ركنٌ من أركانه -أي: أنه يصحّ الإيمان بدون عمل-، فإذا اعتقد بقلبه الحق ونطق به فقد دخل في الإسلام، وإن لم يعمل شيئًا من أعمال الجوارح البتة مع تمكُّنه من ذلك؛ فهذا هو الصواب عند الحلبي وعند أنصاره وأتباعه في هذه القضايا الكبيرة الخطيرة، وهذا خلاف إجماع أهل السنة والجماعة، فتارك العمل عندهم كافر إذ لم يأت من العمل الواجب بما يصح به إيمانه أو تَرَكَهُ تركًا كليًا.
وتفريق أهل السنة والجماعة بين الترك المطلق والترك الجزئي تفريق صحيح سديد؛ لأن الترك المطلق يدل على عدم الالتزام بالشريعة وعدم الالتزام يدل على عدم صحة الإقرار الذي يدل على الالتزام.
وهذا هو الاعتدال الذي اتصف به أهل السنة والجماعة؛ أعني التفريق؛ فمذهب أهل السنة في الإيمان هو الوسط العدل بين ضلالتين: مذهب الغلاة الذين يكفرون بكل ترك واجب، وهم الخوارج والمعتزلة، ومذهب الجفاة الذين لا يكفرون بترك الأعمال، وهم المرجئة.
وهذا ما عليه الصحابة والتابعون وأهل العلم من الأئمة من بعدهم من الفقهاء والمحدثين، وما كان يفتي به جميع المفتين في جميع الأمصار. وقد نقل إجماعهم على ذلك اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة 5/886) عن الشافعي أنه قال: (( وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ممن أدركناهم أن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر ) ). اهـ، ونقله كذلك ابن بطة في (الإبانة 2/760-779) حيث قال: (( اعلموا - رحمكم الله - أن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه فرض على القلب المعرفة به والتصديق له ولرسوله ولكتبه وبكل ما جاءت به السنة، وعلى الألسن النطق بذلك والإقرار به قولًا، وعلى الأبدان والجوارح العمل بكل ما أمر به وفرضه من الأعمال،