فهرس الكتاب
ذهلت لمنطقه، إنه بستاني وأنا الذي أقرر إن كنت سأبيعه أم لا. لا يحق له أن يطلب مني ما لا أريد.
قلت:
-إنه بالنسبة إليك بستان ولكنه بالنسبة لي حياة.
قال بصوت حاول أن يدخل عليه شيئًا من الهدوء:
-أنت لا تملك حس الواقعية، تتحدث عن البستان بشعرية تليق بعاشق، أنا لا أطلب منك أن تقايضني على زوجتك، إنه مجرد أرض.
ثار الدم في عروقي، ما علاقة زوجتي بالموضوع، أهو تهديد لي بأنه يستطيع أن يصل إلى زوجتي.
قال وقد لحظ انفعالي:
-هوّن عليك، فكّر بالأمر ثم أعطني الجواب.
قلت:
-الأمر لا يحتاج إلى تفكير وقد أعطيتك جوابي.
قال بضيق واضح:
-لا تكن عنيدًا، من الخير لك أن تبيع.
تمنيت لو أنَّ لي القدرة لأصفع هذا الوجه المتغطرس، لكنني ضبطت نفسي، تأملته بنظرة حملتها ما استطعت من مقت واستدرت على أعقابي.
عبرت البهو الكبير والحديقة، وبثوانٍ كنت على ظهر حصاني أعدو به عدوًا إلى البستان.
استقبلتني سعاد ملهوفة، فرأيت الحزن قد ران على وجهها.
خيّم القلق على البيت أيامًا ثم رحل عنّا، عدنا إلى سيرتنا الماضية ولكن في بعض الأحيان يطفو في ذهني خاطر أسود يكدرني فأبعده عن ذهني.. واشتغل مع سعاد والأولاد في البستان، أتأمل الأزهار، أشعر بحنو تجاه هذه الكائنات اللطيفة التي تمتعنا بألوانها وشذاها، وأفرح لكل برعم يظهر على سوقها، أرى فيه معجزة الحياة تتحقق أمام ناظري.
صباح أحد الأيام كنت منهمكًا بتفريع إحدى الغرسات عندما رأيت رجلًا يقف فوق رأسي، أجفلت منه، داخلني الغضب.
قلت مؤنبًا:
-كان باستطاعتك أن تستأذن قبل الدخول إلى البستان.
رمقني بنظرة ساخرة تقول: نحن لا نأخذ إذنًا من أحد، تذكرت المقولة"كلب الأمير أمير"وانتظرت أوامره.
قال:
-السيد يطلبك يريد أن تكون عنده في السادسة مساءً.
ثارت كبريائي، من يظنني؟
قلت:
-لديّ مشاغل تمنعني من الذهاب إليه.
قال باستخفاف:
-باستطاعة مشاغلك أن تنتظرك.