فهرس الكتاب
أومضت في ذهني فكرة الخلاص، لاح لي عرضه طوق نجاة ينشلني من ظلمة الخوف، قلت مغالبًا الفرح الذي كاد يغلبني.
-لك الوعد مني بألاّ تفرّق بين البستانين.
نظر إليّ وقال دون اهتمام:
-سنرى.
خرجت من عنده فرحًا، ولكن الهواجس قتلت فرحي، ماذا لو كان اقتراحًا تعجيزيًا، ماذا لو اتخذ من إشرافي على بستانه وسيلة لإذلالي؟! وتراءت لي صور التلذذ بالتعذيب فشعرت باليأس يكاد يخنقني.
انتظرت منه إشارة البدء بتنفيذ المشروع ولكن الإشارة لم تأتِ.
قالت لي سعاد:
-لعله نسي الموضوع، مؤكد أن مشاريعه قد صرفته عن هذه النزوة.
وتمنيت من الله أن يصرف فكره عني لأعيش في أمان، ولكن الله لم يستجب لأمنيتي...
ذات صباح رأيت أشجار الحور التي تسور الطرف الغربي للبستان مقطوعة وممددة على الأرض. قالت سعاد:
-هو الانتقام.
قلت:
-لا. إنها رسالة.
سألتني:
-وإذا استمر في رسائله.
قلت:
-أجيب.
قالت:
-وهل يستطيع المسمار أن يتصدى للمطرقة؟
كان السؤال موجعًا مثيرًا للكبرياء، أن تتلقى الصفعات على وجهك ولا تستطيع أن تردها، فالذين يصفعون يملكون كل شيء، وأنت لا تملك إلا أفكارًا باتت مضحكة عن الحقوق والعدالة والمساواة، معادلة ظالمة ولكنك محكوم بها، اخبط رأسك بالجدار واشتم فأنت عاجز، أنت لا تملك إلا روحك، حريتك تكمن في طريقة مغادرة الروح للجسد، وما عداها سراب.
بعد أيام جاءني رسوله يطلب مني الذهاب إلى السيد فورًا.
قلت لسعاد:
-لن أذهب.
سألتني:
-وهل تعتقد أنه سيتركك وشأنك؟
قلت:
-ليفعل ما يريد.
قالت:
-قد يقتلك.
قلت:
-لا أحد يستطيع أن يسلبنا القدرة على الموت دفاعًا عن كرامتنا.
اتسعت حدقتاها، نظرت إليَّ بألمٍ وقالت:
-لا تتحدث عن الموت، ليست حياتك وحدك التي قد تنتهي ولكن حياتنا جميعًا، نحن بحاجة إليك وليذهب البستان إلى جهنم، نستطيع أن نشتري أرضًا ولكننا لا نستطيع أن نعيد إنسانًا إلى الحياة.