فهرس الكتاب
في اليوم التالي جاءني الرد عنيفًا، قطعوا أربعين شجرةً من أشجار التوت، رأيتها نازفة فاقدة الحياة.
بعد يومين وصلوا إلى الحديقة وأحواض الزهور، اقتلعوا الغراس التي قضيت سنين أهجّنها وأستنبت مواليدها.
قالت سعاد:
-غدًا سيحرق البستان.
قلت:
-لا. إنه يريده سليمًا.
قالت:
-إذن سيصل إلينا.
أجفلت لسماع كلماتها، وتراءت لي سعاد مخطوفة، والأوغاد يعبثون بها، بدا لي ياسر ويامن مذبوحين مقطوعي الأوردة، بدت لي راما وقد قصت جدائلها وتمزقت ثيابها.
شعرت بنبضات قلبي تتسارع وبالدم يكاد ينفجر من عروقي، إنه لا يتورع عن فعل أي شيء كي يصل إلى ما يريد أو ما يتمنى، أما نحن فليس لنا حتى أن نحافظ على ما حصلنا عليه بعرقنا ودمنا وسنوات عمرنا.
إنه يقول لي:
-هدمت أسوارك ودخلت بستانك، ووصلت إلى قدس أقداسك، فأشهر سلاحك بوجهي يا صاحب الكرامة.
أنت وحدك من يحمل السلاح، أما أنا فقد جردت من كل سلاح، أنت من يحيط به الحرس والأعوان، وسآتيك فردًا لا أحد يجرؤ على الوقوف معه.
قال أخي الصغير:
-سأذهب معك.
قلت:
-احفظ حياتك لبيتك وأولادك.
امتطيت حصاني وانطلقت إليه هائجًا، رحت أكيل الشتائم والبذاءات للدنيا كلها، لزمن النحس، للسفلة الذين يذلون الناس.
أفرغت ما بداخلي فشعرت بالراحة، تلبستني حالة من الهدوء والاستهانة بكل شيء.
عندما دخلت إليه استقبلني بابتسامة متشفية.
قلت له:
-وصلتني رسائلك فماذا تريد؟
قال:
-البستان.
قلت:
-لن أبيع.
قال:
-رغمًا عنك ستبيع، سأدفع لك ثلاثين ألف دينار ثمنًا له، اذهب إلى بيتك وعد صباحًا بسند التمليك لتتم الصفقة، واحمد ربك أنّك تعاملت مع إنسان كريم.
وتساءلت في سري إن كنت أنت كريمًا فمن اللئيم؟ أية دناءة تسكن أعماقك أيها الإنسان الغبي؟ ألا تفكر بيومٍ قد تقف فيه أمامي كما أقف أمامك، فكيف تتوقع مني أن أعاملك؟
خرجت من القصر يلهبني القهر والغضب، أطلقت العنان لجوادي يسرح بي وصرخت بصوت ملأ الفضاء: