فهرس الكتاب
-لن أنصاع له ولن أذل أمامه.
سأترك هذا البلد، فأرض الله واسعة، لست أول من رحل ولن أكون آخر الراحلين...
مرٌ طعم الهزيمة، قاتلةٌ هي الإهانة جارحٌ للقلب أن تُذلّ ولا تستطيع المواجهة.
في البيت وجدت أبي وإخوتي الثلاثة مع سعاد والأولاد، كان القلق يطل من عيونهم، عندما رأوني انطلقت تنهدات الراحة، لكن فرحتهم سرعان ما انسحبت عندما تفرّسوا في وجهي.
قلت:
-سأغادر البلد، في هذه الليلة سأرحل ولن أوقّع صك المذلة.
تمتم أبي بصوتٍ حزين:
-اللهم أعوذ بك من الهم والحزن وقهر الرجال.
قال أخي الأكبر:
-إن رحلت سيضايقون زوجتك وأولادك ويأخذون البستان غصبًا، وافق على البيع، خذ الثمن وارحل حيث تشاء.
التف حولي الأولاد تعلقت الصغيرة بعنقي وقالت:
-بابا أرجوك لا ترحل.
نظرت إلىَّ سعاد، توسلت عيناها:
-لا تتركنا.
قال إخوتي:
-نبيت الليلة عندك، وفي الصباح نذهب معك إليه، سيعوضك الله خيرًا عما بعت.
تأملتهم طويلًا، ثلاث شجرات سنديان صلبة نبيلة، ولكنها لا تستطيع أن تتصدى للإعصار.
أمام إخوتي وتحت نظراته الشامتة وأنظار رجاله الصقرية، وقّعت سند البيع...
شعرت أن جزءًا من قلبي قد جزَّ وأنني أصبحت عرضةً لهجمات المصائب.
كنت أحس البستان حصنًا وسندًا وأملًا، الآن أحس بالضياع.. أن تملك، ألا تملك.. أن تحب، أن تكره، أن تشعر بالكرامة، أن تشعر بالهوان.. فقدت الإحساس بمعاني الأشياء... أية قيمة لمشاعرك.. لكرامتك.. لأحلامك إذا كنت لا تستطيع أن تدافع عنها؟
وجاءني صوته الوقح:
-ألن تبارك لي بالبستان؟
صوبت إليه نظرة تمنيت لو أنها قاتلة، وقلت في سري:
-لعنك الله، وجعل ما غصبته مني لعنة تلاحقك حتى يوم مماتك.
خرجنا من القصر كمن يحمل نعش عزيز، كان الصمت يخيّم علينا، والحزن يرين على الوجوه.
قال أخي الأوسط:
-لا تحزن ما زلت تملك الشباب والقوة.
قلت:
-هي الروح انكسرت.