فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 94

الورقة في يدي وسؤال يلح علي: لماذا حدث ما حدث؟.

عمار:

الليل يغمر الكون بسكون عجيب، يثير في النفس حس الحزن والعدم، يصفي النفس، يجعلها مرهفة إلى حد البكاء.

شريط حياتي يمتد أمامي رقعة سوداء، تتخللها بعض بقع فرح، وأتساءل: إذا كانت حياة الإنسان جهمة موحشة إلى هذا الحد فلماذا يعيش؟.

يقولون أنت في عنفوان شبابك، الثلاثون هي سن القوّة والبناء

لماذا كانت بالنسبة لي هي سن الانهيار والموت؟.

من الماضي تنبثق صور تجعل القلب يرتجف أمام هذا الانبثاق الحار فإذا بالكيان يتضعضع وإذا بالحاضر يتطاير وكأنه غبار ولا يبقى إلا هذه الذكريات وكأنها الحقيقة الوحيدة التي عمرت حياتي.

طفل يعدو في الحقول، يقفز خلف القبرات، يتسلق أشجار التين... يركض في الطرقات المغبّرة فيتعفر حتى رأسه، يخاف أن يعود إلى البيت بهيئته الزرية، يذهب إلى البستان يقفز في ماء البركة، لا يعرف أنّ الآبار جافة وأن الماء لا يحتمله، يصطدم بالقاع، يشجّ رأسه، تغرق ملابسه بالدماء.

أعدو إلى البيت مجنونًا تتلقفني أمي بحضنها، يأخذني أخي إلى الطبيب ليخيط لي الجرح، أعود إلى البيت بضماد كبير يحيط رأسي.

يراني أبي، أظنّ أنه سيقبّلني ولكنه يغرقني بنظرة نارية وسيل من الشتائم...

تصرخ أمي:

ـ هذا حرام.

ـ الحرام أن تربيه ولدًا أخرق. أريده رجلًا.

في تلك اللحظة كرهت أبي، تمنيت أن أهرب من البيت فلا أرى وجهه، وحتى الآن مازلت أكرهه. بين القسوة والحبّ يمضي العمر، يتفتح الجسد، تغزل العيون صورًا وأحلامًا... تهفو النّفس، تحلم... يتجسّد الحلم في زهرة ندية نبتت على حدود الصبّار والغبار...

في حيّ واحد كبرنا، تآلفت أرواحنا... انتشرت قصتّنا بين الأصدقاء والصديقات طرقت مسامع الأهل فمنعوها من رؤيتي...

رائعة كانت هذه اللقاءات المسروقة... حلاوتها تجرح النّفس وتقول كل ما عداها سراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت