في حفلة بهيجة أقيمت في منزل أبي منصور ، فرحا بحفظ ولده منصور للقرآن ، ذلك الشاب الأنيق الظريف ، الوسيم اللطيف ، الذي لم يتجاوز الخامسة عشر من العمر ، والذي عرف بين إخوانه وأصحابه برهافة الحس ، ورفعة الذوق ، وحسن العلاقة مع كل من يعرفه ..
كان كل من في البيت في ذلك اليوم يهتز بهجة وسرورا ، ونشوة وطربا ، وكانت أم منصور لا تكاد تملك دمعتها ، فلا تشعر بين الحين والآخر ، إلا وتتساقط حبات الدمع على وجنتيها ، وكأنها دمعة الشوق عند ذكر الحبيب ، أو مطر السماء إذ يعناق خضرة الربيع ..
وكان والد منصور لا يهدأ عل الأرض من شدة فرحه ، فلا يكاد يجلس إلا ليقوم أو يذهب إلا ليجيء ، الابتسامة لا تغادر محياه ، وبهجته لا يوازيها شيء في هذه الحياة ..
لقد كان في فرحة أشد من طرب النفس بفرحة العرس ، إنه يعيش فرحة الانتصار على جبهة من جبهات الصراع الكثيرة في هذه الحياة ..
وحضر رفاق منصور ، وفي يد كل منهم هدية معبرة ، ابتهاجا بأخيهم ، الذي طالما قدم لهم الهدايا بمناسبة وغير مناسبة ..
واستقر المجلس بأهله ، وافتُتِح الحفل بتلاوة للقرآن الكريم ، وتكلم والد منصور ، فشكر الحضور ، وأثنى عليهم بكل خير ، وعبر عن فرحته الغالية بهذا اليوم ، الي لا توصف ولا تقدر ..
وخص بالشكر أساتذة منصور ، الذين كان لهم أثر كبير في نشأة منصور واستقامته ، ومثابرته على حفظ القرآن الكريم حتى أتمّه ، وكيف صبروا على متابعته بكل حب ورغبة ، وتحمل لحركاته التي لم تكن بعيدة العهد فتنسى ، ولا قليلة فيغض الطرف عنها ، أو يتجاوز أمرها ، وليس لهم من جزاء إلا فضل الله تعالى وحسن تكريمه لأهل القرآن ، وخواص حملته ..