فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 227

لقد أدى هذا التحول الاستراتيجي إلى إهمال مطالب رجال الدين بل والتصادم معهم في بعض الأحيان، كما في موضوع قانون التعليم الشرعي الذي لم يأخذ بحسابه موقف رجال الدين والمؤسسة الدينية، فاضطر علماء الدين السوريون إلى أن يصدروا بيانهم في تموز/ يوليو 2006 وفيهم من هو محسوب على النظام! لا ريب أن البيان وموقف علماء الدين أثار دهشة الرئيس الشاب، إذ كان يتوقع من المؤسسة المستأنسة طاعة مطلقة، كما لو أنها أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، وكيف يتجرأ رجال الدين على مواجهة قرارات حكومية ويتجهوا للرئيس؟ لا شك أن الرئيس أحس بشكل واضح أن التعامل مع المؤسسة الدينية ورجال الدين ليس أمرًا هينًا أبدًا.

على هذه القاعدة الاستراتيجية في النظر إلى المؤسسة الدينية ورجالاتها سمح الأسد الابن للمؤسسة الشيعية بالعمل بكامل حريتها وبتسهيلات غير عادية ـ لأغراض سياسية وقناعات شخصية؛ كما ستوضح هذه الدرسة ـ على أساس أن ضبط العمل الديني ممكن في أية لحظة عندما يخرج عن المسار المتاح له، يبدو أن الأسد الابن نظر إلى المسألة كما لو أنها مسألة تخص النظام وحده، وبالتالي فقد أهمل من حسابه انعكاساتها الاجتماعية والدينية في الوسط السني الذي يمثل الأكثرية السكانية المطلقة في سورية.

وعلى سبيل المثال فإن إصرار الأجهزة الأمنية على الاعتقال والحكم بأحكام قاسية لمجرد الانتساب الفكري للتيار السلفي وبدون أي عمل مادي ضد النظام منذ تولي الأسد الابن السلطة وحتى اليوم، في مقابل ترك المجال مفتوحًا أمام النشاط التبشيري الشيعي بدون حساب في الوقت نفسه بما فيه من استفزاز اجتماعي بالغ، وحساسية للمؤسسة الدينية وطبقة رجال الدين لا يعني سوى أن المنظور الأمني الاستلحاقي للمجال الديني ومؤسساته ورجاله هو الذي يتحكم في فكر صانع القرار.

الدراسات السابقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت