توفي الأسد الأب وخلَّف ورائه مؤسسة دينية منضبطة بإيقاع النظام الذي رسخ قواعده بنفسه، وخلف رجال دين زاهدين بالمجال العام، أو منخرطين فيه وفق شروط الاستئناس الصارمة، وعندما ورث نجله بشار السلطة عام 2000، أغراه هذا الضبط الفائق للمؤسسة الدينية السنية، فلم ينلها اهتمامه الإصلاحي، وعلى العكس فقد تعامل معها لا على أنها مؤسسة مستأنسة ومروَّضة حسب قاعدة الترهيب والترغيب، بل بوصفها مؤسسة ملحقة بالنظام يستخدمها لأغراضه ولا يمنحها مقابل، عليه الأمر وعليها الطاعة، كان هذا بمثابة تحول استراتيجي في التعامل مع المؤسسة الدينية.
على سبيل المثال فإن اختيار شخصية براغماتية فاقدة للشعبية لمنصب مفتي الجمهورية (الشيخ الواعظ أحمد حسون) بغض النظر عن اعتراض علماء الدين ورأيهم القادح فيه وفي علمه كان على أساس النظر إلى مؤسسة الافتاء بوصفها مؤسسة تابعة للنظام، وليست مؤسسة أهلية تنتظم إدارايًا في سلك حكومي، إن قوة المفتي هي في كونه يمتلك مصداقية لدى مواطنيه، غير أن الأسد الابن ضحَّى بأهم صفة للمفتي وهي مصداقيتة الدينية والشعبية (ثقة الناس به كمرجع ديني) فقط لمعيار ولائه غير المحدود للنظام وتوافقه الشخصي مع الأسد.
في الواقع إن هذا التحول الاستراتيجي ليس ناجمًا عن تخطيط مسبق، بل إن المنطق الأمني الشامل الذي يحكم التفكير السياسي لبشار الأسد ـ كما تشير جملة الأحداث السياسية خلال سنوات عهده السبع ـ هو الذي أفضى إلى هذا التحول، فبشار لا يمتلك رؤى استراتيجية مخططة خاصة به، بقدر ما يمتلك مواقف استراتيجية وحسب.