فهرس الكتاب
أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (1) .
ومن العجب قول بعض من يحتج للمشركين بالأموات أنهم لا يرجون قضاء حاجتهم من الميت ونحن نقول: هذه مكابرة ومغالطة لأنه من المعلوم عند كل ذي عقل أنهم ما دعوهم وتذللوا وخضعوا لهم وبذلوا أموالهم بالنذور والذبائح إلا لأنهم يرجون حصول مطلوبهم وقضاء حاجاتهم من جهتهم فكيف يتصور عند عاقل أن يسمع من يسأل الميت والغائب حاجة بأن يقول أعطني كذا أو أنا في حسبك ويستغيث به في دفع عدو أو كشف ضر ويتذلل ويخضع له ثم يقول أنه لا يرجو حصول مطلوبه أو دفع مرهوبه من جهته!
وكيف يتصور أن يبذل ماله بالنذر والذبح ـ مع أن المال عزيز عند أهله ـ لمن لا يرجوه ويعتقد أنه لا يحصل له من جهته نفع ولا دفع ضر فهذا من أبين المحال وأبطل الباطل كيف وهم يفخرون بقضاء حاجاتهم وكشف كرباتهم من جهتهم فبعض منهم يعتقد أن الميت ونحوه يفعل ذلك وبعضهم يقول: هم وسيلتنا إلى الله يعنون واسطة بينهم وبين الله. كما عليه المشركون الأولون، كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون { هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ } (2) ، { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } (3) ، بل كثيرٌ من مبتدعة هذه الأمة أعظم غلوًا واعتقادًا في ولائهم من المشركين الأولين لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عن المشركين الموجودين حين نزول القرآن أنهم يخلصون لله الدعاء في حال الشدة وينسون الهتهم وكثير من غلاة أهل هذا الزمان يخلصون الدعاء عند الأمور المهمة والشدائد لأوليائهم كما هو مستفيض عنهم قال الله تعالى إخبارًا عن المشركين الأولين: { فَإِذَا رَكِبُوا في الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } (4) .
(1) الأنعام، الآيتان: 162-163.
(2) يونس، آية: 18.
(3) الزمر، آية: 3.
(4) العنكبوت، آية: 65.