فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 1848

ومفاد كلام أبي بطين رحمه الله أن الإنسان لا يصير مسلمًا بتوحيد الربوبية بل لابد معه من توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة فهما إذن متلازمان لا يقبل أحدهما بدون الآخر، كما أن مفردات كل من التوحيدين متلازمة، مفردات الربوبية متلازمة، ومفردات توحيد الألوهية متلازمة، فاليهود كفروا لأنهم آمنوا ببعض صفات الله سبحانه وكفروا ببعضها الآخر فقالوا: { إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءٌ } وقالوا { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } ، وقالوا: { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } ، وقالوا: { عزيرٌ بن الله } ، وقال غيرهم: { المسيح بن الله } ولاشك أنهم آمنوا بغير هذا من صفات الله، وآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه الآخر فحرموا الاسترقاق واستحلوا القتل وآمنوا ببعض الكتب وكفروا بالآخر، فقالوا: { نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } فرَّقوا بين الله ورسله فقالوا: { نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسوله ولم يفرقوا بين أحد منهم ولما قالوا التماسًا للتخفيف هذه لا نطيقها قال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتقولون: كما قال أهل الكتابين قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم أنزل الله - عز وجل: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } (1) . ولاشك أنهم سمعوا وأطاعوا لما سوى ذلك ولا يتم الإيمان إلا بالقبول لكل الشرع ورفض شريعة واحدة رفض للشرع كله وهذا هو معنى قوله تعالى { ادْخُلُوا في السِّلْمِ كَافَّةً } (2)

(1) البقرة، آية: 285.

(2) البقرة، آية: 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت