فهرس الكتاب
دون التكذيب ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالًا وهو الجهل ألا ترى أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق؟ ألا ترى أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا احتاج إلى مقام ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله. فإذا قال "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره و"أشهد أن محمد رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان، وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد.
وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرًا وباطنًا ثم يمتنع عن الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس وهذا مما يبين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذبٌ له أو ممتنع عن الانقياد لربِّه وكلاهما كفرٌ صريحٌ ومن استخَّف به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادًا لأمره فإن الانقياد إجلال وإكرام والاستخفاف إهانة وإذلال وهذان ضدان فمتي حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد.