فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1848

الوجه الثالث: إن العبد إذا فعل الذنب مع اعتقاد أن الله حرَّمه عليه واعتقاد انقياده لله فيما حرَّمه وأوجبه فهذا ليس بكافر، فأما إن اعتقد أن الله لم يحرمه أو أنه حرَّمه لكنه امتنع من قبول هذا التحريم وأبى أن يذعن لله وينقاد فهو: إما جاحد أو معاند. ولهذا قالوا من عصى الله مستكبرًا كإبليس كفر بالاتفاق، ومن عصى مشتهيًا لم يكفر عند أهل السنة والجماعة، وإنما يكفره الخوارج. فإن العاصي المستكبر وإن كان مصدقًا بأن الله ربُّه فإن معاندته له ومحادته تنافي هذا التصديق، وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلًا لها فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها من غير فعل. والاستحلال اعتقاد أن الله لم يحرمها، وتارة بعدم اعتقاد أن الله حرَّمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية ولخلل في الإيمان بالرسالة، ويكون جحدًا محضًا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرَّمها ويعلم أن الرسول إنما حرَّم ما حرَّمه الله ثم يمتنع عن التزام هذا التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرًا ممن قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من لم يلتزم هذا التحريم عاقبه الله عزَّ وجلَّ وعذَّبه، ثم إن هذا الامتناع وهذا الإباء إما لخلل في اعتقاد حكمة الآمر وقدرته فيعود هذا لعدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردًا واتباعًا لغرض النفس وحقيقته كفر هذا، لأنه يعترف لله ولرسوله بكل ما أخبر به ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون ولكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق وأنفر عنه، فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، والقرآن مملوء من تكفير مثل هذا النوع، بل عقوبته أشد وفي مثله قيل: «أشدُّ النَّاسِ عذابًا يومَ القيامةِ عالمٌ لم ينفعه الله بعلمه» وهو إبليس ومن سلك سبيله. وبهذا يظهر الفرق بين العاصي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت