فهرس الكتاب
ثم يقول: وأما الشبهة الثانية فجوابها من ثلاثة أوجه: إحداها: أن من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه على ذلك فإنه يجوز أن يكون مع ذلك في نفس الأمر مؤمنًا ومن جوَّز هذا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. الثاني: أن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذرٍ لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان حتي اختلفوا في تكفير من قال: "إن المعرفة تنفع من غير عمل الجوارح"، وما ذكره القاضي (1) رحمه الله من التأويل لكلام الإمام أحمد فقد ذكر هو وغيره خلاف ذلك في غير موضع وكذلك ما دلَّ عليه كلام القاضي عياض فإن مالكًا وسائر الفقهاء من التابعين ومن بعدهم ـ إلا من ينسب إلى بدعة ـ قالوا: الإيمان قولٌ وعملٌ. الثالث: أن من قال: إن الإيمان مجرد معرفة القلب من غير احتياج إلى النطق باللسان، يقول: لا يفتقر الإيمان في نفس الأمر إلى القول الذي يوافقه باللسان، لا يقول أن القول الذي ينافي الإيمان لا يبطله، فإن القول قولان قولٌ يوافق تلك المعرفة وقول يخالفها فهبْ أن القول الموافق لا يشترط لكن القول المخالف ينافيها فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة الكفر فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال: أنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام قال سبحانه: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (2) ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد
(1) القاضي أبو يعلي، الصارم المسلول، ص 461
(2) النحل، آية: 106.