فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 1848

من المعلوم أن الإنسان يكون عالمًا بالحق ويبغضه لغرض آخر فليس كل من كان مستكبرًا عن الحق يكون غير عالم به وحينئذ فالإيمان (1) لابد فيه من تصديق القلب وعمله وهذا معنى قول السلف الإيمان قول وعمل، ثم إذا تحقق القلب بالتصديق والمحبة التامة المتضمنة للإرادة لزمه وجود الأفعال الظاهرة (2) فإن الإرادة الجازمة إذا اقترن بها القدرة التامة لزم وجود المراد قطعًا وإنما ينتفي وجود الفعل لعدم كمال القدرة، ولعدم كمال الإرادة وإلا فمع كمالهما يجب وجود الفعل الاختياري، فإذا أقر القلب إقرارًا تامًا بأن محمدًا رسول الله وأحبه محبة تامة امتنع مع ذلك ألا يتكلم بالشهادتين مع قدرته على ذلك، لكن إن كان عاجزًا لخوف أو نحوه لم يكن قادرًا على النطق بهما.

وأبو طالب وإن كان عالمًا بأن محمدًا رسول الله وهو محبٌ له فلم تكن محبته لله بل كان يحبه لأنه ابن أخيه فيحبه للقرابة وإن أحب ظهوره فلِمَا يحصل له بذلك من الشرف والرئاسة فأصل محبوبه هو الرئاسة فلهذا لما عرض عليه الشهادتين عند الموت رأى أن بالإقرار بهما زوال دينه الذي يحبه فكان دينه أحب إليه من ابن أخيه ولهذا فلم يقر بهما فلو كان يحبه لأنه رسول الله كما كان أبو بكر يحبه والذي قال الله فيه: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى - الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى - وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى - إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى - وَلَسَوْفَ يَرْضَى } (3)

(1) واضح من الكلام عن الإيمان هنا هو عن الإيمان المقابل للكفر وليس عن الإيمان الواجب أو المستحب وأن العمل بهذا المعني هنا ركنٌ من أركان أصل الإيمان وشرط لصحته وليس لكماله كما يقول فروخ الجهمية.

(2) القول والعمل ليس للقلب فقط بل ظاهرًا وباطنًا وهذا أيضًا خلاف ما يقوله فروخ الجهمية.

(3) الليل، الآيات: 17-21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت