فهرس الكتاب
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ (1) أي أقر بذلك ومثل هذا في القرآن كثير. والمقصود هنا أن لفظ الإيمان إنما يستعمل في بعض الأخبار، وهو مأخوذ من الأمن كما أن الإقرار مأخوذ من أقر فالمؤمن صاحب أمن كما أن المقر صاحب إقرار، فلابد في ذلك من عمل القلب بموجب تصديقه فإذا كان عالمًا بأن محمدًا رسول الله ولم يقترن بذلك حبه وتعظيمه، بل كان يبغضه ويستكبر عن اتباعه فإن هذا ليس بمؤمن به بل كافر به، ومن هذا الباب كفر إبليس وفرعون وأهل الكتاب الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وغير هؤلاء فإن إبليس لم يكذب خبرًا ولا مخبرًا بل استكبر عن أمر ربه، وفرعون وقومه قال الله فيهم: { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } (2) ، وقال له موسي: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاَء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } (3) ، وقال تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } (4) فبمجرد علم القلب بالحق إن لم يكن يقترن به عمل القلب بموجب علمه مثل محبة القلب له واتباع القلب له لم ينفع صاحبه بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه وقد كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم - يقول «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع وقلب لا يخشع» لكن الجهمية ظنوا أن مجرد علم القلب وتصديقه هو الإيمان، وأنه من دل الشرع على أنه ليس بمؤمن كان ذلك يدل على عدم علم قلبه، وهذا من أعظم الجهل شرعًا وعقلًا وحقيقته توجب التسوية بين المؤمن والكافر، ولهذا أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهم من الأئمة كفرهم بذلك. فإن
(1) البقرة، آية: 177.
(2) النمل، آية: 14.
(3) الإسراء، آية: 102.
(4) الأنعام، آية: 20.