فهرس الكتاب
وأما الدوران: فيعني التجارة السريعة , ولقد كان الفقهاء يقولون إنها ذات المطعومات , أو ذات الثمن القليل ؛ لأن هذه هي الدائرة بين الناس , لكن اللفظ أعم من ذلك , وبخاصة في عالمنا المعاصر , وقد رأينا السلعة الواحدة تباع في المجلس الواحد أكثر من مرة , ولأكثر من شخص , وذلك في السوق المصرفي , أو ما يسمى بالبورصة , أو ما يطلق عليه المزاد العلني , فهذا الدوران للسلعة الواحدة يبيح ترك الكتابة , بل يستلزمها إذ لا يمكن الكتابة في مثل هذه المبايعات الحاضرة السريعة توسعة على الناس , ورفعًا للحرج .
وجملة:"تديرونها بينكم"؛ فيها استحضار لعملية الانتقال من تاجر إلى آخر , ومن ثالث إلى رابع , مما يصعب معه التوثيق .
وقوله"بينكم"يعطي معنى اجتماعهم , وتداول البيع يدًا بيد , وانتفاء الحرج ؛ لأن البيع قائم على الإيجاب والقبول .
وجه اصطفاء النفي بـ"ليس"في قوله تعالى:
( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا )
جاء في القرآن الكريم النفي بـ"لا"والنفي بـ"ليس"فما الفرق ؟
لقد جاء النفي ب"ليس"تسع مرات في حين ورد النفي ب"لا"ست عشرة مرة .
وأول ما يُلحظ من خلال سياقات الآيات أن النفي بـ"لا"كائن في الأمور التكليفية ؛ التي يظن فيها المكلف أن عليه جناحًا إذا فعلها ؛ مثل قوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة:158) .
كما أنه كائن أيضًا في نفي الجناح المفيد للإباحة في مقابل الحظر , فكل ما يصدق عليه أنه جناح يكون منفيًا ؛وذلك نحو:" ( وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ(الأحزاب:51) ."
ونحو:" ( لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ.. ) (الأحزاب:55) ."