الصفحة 99 من 134

ولكني ألحظ هنا في هذه العبارة دلالة أخرى خافية , وهي: لفت أنظار المؤمنين إلى التيسيرات في غير الديون , فالآية تعرض العوائق الكثيرة في شأن الديون , وتضع في الإطار نفسه الأبواب الميسرة ,والطرق الممهدة , حتى تفر النفوس من عقبات الديون إلى تيسيرات البيع الناجز .

كما أن الجملة من باب الاستثناء المنقطع , حيث فَصَلَ كلام كثير بين المستثنى والمستثنى منه , وأصل جملة الاستثناء هي:"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه إلا أن تكون تجارة حاضرة ..." ( 158) .

ومعنى الانقطاع هنا: أن التجارة الحاضرة ليست من باب الديون في شيء , لكن لمّا كانت في حاجة إلى توثيق عقد البيع , كما يوثق عقد الديون أُلحقت التجارة بالديون من وجه احتياجها إلى توثيق , لكن توثيق عقد البيع أقل كلفة وشروطًا من عقد المداينة .

وجه البلاغة في وصف التجارة بالحضور والدوران:

يرى الزمخشري - رحمه الله - أن قوله: [ حاضرة تديرونها بينكم ] مفهوم من لفظ التجارة نفسها , ويسأل فيقول:[ فإن قلت ما معنى"تجارة حاضرة"وسواء كانت المبايعة بدين أو بعين , فالتجارة حاضرة ؟

وما معنى إدارتها بينهم ؟ .

قلت: أريد بالتجارة ما يُتَّجر فيه من الأبدال , ومعنى إدارتها بينهم: تعاطيهم إياها يدًا بيد , والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعًا ناجزًا يدًا بيد , فلا بأس أن تكتبوه ؛ لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين ] ( 159 ) .

لكن هذا الاستفسار في حاجة إلى مراجعة فليست كل تجارة حاضرة , وبخاصة تلك الصفقات التجارية التي تعقد في الغرف المغلقة , وعن طريق الحاسبات الالكترونية .

كما أنه ليست كل تجارة حاضرة دائرة , فالدوران والحضور صفتان لازمتان لإباحة منع الكتابة .

أما الحضور فيعني وجود السلعة والثمن في مكان واحد , ويتم فيها البيع يدًا بيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت