الصفحة 43 من 134

يرى البعض أن الجار والمجرور ( بدين ) تأكيد لقوله: ( تداينتم ) , مثل قول الله تعالى ( ولا طائر يطير بجناحيه) , وقوله: ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) .

( فإن قال قائل: وما وجه قوله:"بدين"وقد دل بقوله"تداينتم"عليه ؟

وهل تكون مداينة بغير دين , فاحتيج إلى أن يقال ( دَيْن ) ؟

قيل: إن العرب لمَّا كان مقولا ًعندهم ( تداينا ) بمعنى: تجازينا , وبمعنى: تعاطينا الأخذ والإعطاء بِدَيْن , أبان الله تعالى بقوله ( بدين ) المعنى الذى قصد تعريفه من قوله: ( تداينتم ) حكمته , وأعلمهم أن حكم الدين دون حكم المجازاة .

وقد زعم بعضهم أن ذلك تأكيد كقوله: ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) .

ولا معنى لما قالوا في هذا الموضع ( 57 ) .

يقول العلامة أبو السعود: ( إن فائدة قوله _ بدين _ هي: تخليص المشتَرك , ودفع الإيهام قصدا ؛ لأن تداينتم يجيء بمعنى: تعاملتم بدين , وبمعنى: تجازيتم , ولا يُرَدُّ عليه بأن السياق يرفع الإيهام ؛ لأن السياق قد لا ينتبه إليه الفَطِن ,وقد ذُكر ليرجع الضمير إليه ؛ إذ لولاه لقيل:( فاكتبوا الدين ) , فلم يكن النظم بذلك الحسن عند ذوي الذوق بأساليب الكلام .

واعتُرض بأن التداين يدل عليه فيكون من باب: ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) .

وأجيب بأن الدين لا يراد به المصدر , بل هو أحد العوضين , ولا دلالة للتداين عليه إلا من حيث السياق , ولا يُكتفى به في معرض البيان , لاسيما وهو مُلبس .

وقيل: ذكر ؛ لأنه أبين ؛ لتنويع الدين إلى مؤجل , وحال ؛ لما في التنكير من الشيوع , والتبعيض , لما خص بالغاية , ولو لم يذكر لاحتُمل أن الدين لا يكون إلا كذلك ( 58) .

وقد يكون استعمال لفظ ( بدين ) دفعًا لتوهم المجاز ؛ ذلك لأن التداين قد يفهم منه معنى الوعد , كما قال رؤبة:

داينت أروى والديون تقضى *** فمطلت بعضًا وأدت بعضًا.

فذكر قوله: (بدين ) دفعًا لتوهم المجاز ) ( 59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت