الصفحة 54 من 134

ومنها: أن الأمن لو كان مرتبطًا بالتداين العام لوُضع أولًا ؛ إذ هو الأصل بين المسلمين , ولكان قيل: إذا تداينتم بدين وأمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته, وإلا فاكتبوا الدين....

وهكذا .. لكن سياق الآية وبناء جملها يميل بالمعنى إلى ارتباط الكتابة بالدين ارتباط تلازم , في الوقت الذي يشير فيه صراحةً إلى ارتباط جملة الأمن , وأداء الأمانة بحالة السفر , وخلط الأمرين دعوى بلا بينة واضحة .

ومنها: أن تصدير جملة ( فإن أمن بعضكم بعضًا ) بأداة الشرط ( إن ) , وهي تفيد الندرة والشك , ولو ارتبط هذا بالتداين العام ؛ بمعنى: أن المسلمين يقل الأمن بينهم عند التداين , لكان - ذمّا وهجاءً .

أما ربط جملة: ( فإن أمن بعضكم بعضًا ) بالسفر , وهو مظنة ضياع المال , وحدوث المخاطر يجعل المعنى متساوقًا مع سياق الآية , ولو ربطنا هذا المعنى بالمفهوم العام من الآية لحدث خلاف وتناقض .

كيف ؟

إن الآية نفسها تشير إلى أمن المؤمنين بعضهم بعضًا ؛ إذ إنها تتحدث عن البيع بالأجل أو بالتقسيط أو القرض , وفي كل ذلك يعطي المؤمن أخاه السلعة أو المال ولا يأخذ شيئا , ...نعم: لا يأخذ إلا وعدًا مكتوبًا بالسداد , وهذا دليل الأمن , فإذا كان جوهر الآية يدفع القارئ دفعًا إلى وجود الأمن بين المسلمين , فكيف ينسجم هذا مع جملة ( فإن أمن بعضكم بعضًا ) ؟ !!

إذًا فلا بد أن يتعين الأمر حالة السفر , والآية تنطق بهذا ؛ حيث تقول: ( وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) (البقرة:283)

فلِمَ نعمم والآية تنطق بالتخصيص , والمنطوق مقدم على المفهوم عند العلماء , والسفر مظنة ضياع المال , وهكذا ضياع السلعة, ومن هنا كان الإلحاح على الكتابة أشد , لكن أن عدم الكاتب , وضاق الوقت فواحدة من أمرين: إما عدم التداين , وإما الرهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت