الصفحة 70 من 134

"أملل - واتق الله - ولا تبخس منه شيئًا".

وهذه الدقَّات الثلاث إنما هي إنذار وتحذير من أن يوسوس له شيطانه , بأن يتملص من بعض الحق , أو أن يأكل بعض الأموال , أو أن يفعل شيئًا يضيّع به الحق على صاحبه .

كل هذا استلزم تتابع هذه الأوامر على نحو خاص , ووضعت فيه التقوى بين الأمر بالإملال , والنهي عن البخس , لتأخذ التقوى بحُجز هذين الأمرين , فتكون كالقلب الذي يغذوهما .

فوضع التقوى في الوسط هكذا"وليملل الذي عليه الحق - وليتق الله ربه - ولا يبخس منه شيئًا ."

هذا النسق يشير إلى أن الأمر بالإملال يحتاج إلى شيء من التقوى .

والنهي عن البخس يحتاج إلى شيء من التقوى ؛ فوضعت التقوى بينهما ؛ لتمدهما بحاجتهما ؛ كي يتم الأمر , والنهي على وفق مراد الشارع .

ولو قدمت التقوى , أو أخرت لزاد التشديد في جانب على حساب جانب آخر .

وتقديم الأمر بالتقوى على النهي عن البخس يفيد تهيئة النفوس التي عليها الحق لتلقي الأوامر والنواهي , بالامتثال , والطاعة .

وأسند الفعل"يتقي"إلى ضمير الغائب ؛ لأن الذي عليه الحق في مقام ضعف , ولا يرقى ليكون محل تشريف , وإعزاز ؛ حتى يباشره الله تعالى بالخطاب , وفي ذلك ما فيه من التنفير الخفي من الديون , وفي الحديث الشريف أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:

"اللهم إني أعوذ بك من الكفر والدين ."

فقال رجل: يا رسول الله أيعدل الدين الكفر ؟

قال: نعم .

وفي الجملة الأولى جمع ٌ بين اسم"الله"واسم"الرب"؛ حيث قيل:"وليتق الله ربه"لحكمة بليغة , وهي كما يقول أبو حيان:"أن الله تعالى مربيًا له مصلحًا لأمره , باسطًا عليه نعمه ."

وقدم اسم"الله"لأن مراقبته من جهة العبودية والألوهية أسبق من جهة النعم" ( 98 ) "

كما أن مقام الذي عليه الحق يحتاج إلى صفات الجلال الكامنة في اسم"الله ."

وكذا إلى صفات الجمال الشاخصة في اسم"الرب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت