الصفحة 89 من 134

كما لا يخفى أن فيها تحريضًا لهم بالمدح بهذا اللقب , بالإضافة إلى أنهم ذو خبرة , ومجربون في الشهادة .

يقول ابن عاشور:"وإنما جيء في خطاب المتعاقدين بصيغة الأمر , وجيء في خطاب الشهداء بصيغة النهي ؛ اهتمامًا بما فيه التفريط ؛ فإن المتعاقدين يُظن بهما إهمال الإشهاد , فأُمرا به ."

والشهود يُظن بهم الامتناع فنهوا عنه , وكل يستلزم ضده" ( 130) ."

أما لبنات هذه الجملة فإنها تحمل من الكنوز الدلالية الكثير التي تتناغم مع دلالة الأساليب: وأول ما يلقانا هنا هو"لا"الناهية في قوله:"ولا يأب الشهداء".

والنهي بـ"لا"مشعر برغبة المنهي في ارتكاب المنهي عنه إن كانت له مندوحة , فحين يقال: لا تفعل كذا .. يفهم منه أن له رغبة في فعله , أو أنه يفعله الآن , فنهي عنه , وهذا يصور نفرة النفوس من تبعات الشهادة , ومحاولة الفكاك منها , ولولا طاعة الله تعالى لما شهد أحد ...

أما اصطفاء الفعل"يأبى"دون"يمتنع"مثلًا ؛ فلأن الإباء فيه من الرفض المصحوب بالعلة , وخوف المستقبل , والحذر من الإقدام , فهو ليس امتناعًا ساذجًا , بل امتناع معلل , وهذه أقصى درجات الرفض , ولا يعنى هذا أن القرآن أباح الامتناع عن الشهادة ؛ لأن من سنن القرآن الكريم أنه يوجه النهي إلى أعلى درجات الفعل ليكون ما دون ذلك داخلًا فيه ً, وهو المعروف بالتنبيه بالأعلى على الأدنى .

كما أن الكلمة بجرسها العالي تشعر بالدفع , والإعراض عن هذا الأمر , ومَنْ من المؤمنين يحب الشهادة في أمور تحفها المخاطر ؟ ‍‍!!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت