الصفحة 123 من 213

المتباعد كان مقترنًا بتنامي حركة النص الدلالية، فقد وردت الكلمة أول مرة متبوعة بطلب الشاعر من المرأة الإقبال عليه، ثم اقترنت في المرة الثانية بتسويغه لهذا الطلب، في حين ارتبطت في المرة الثالثة بالتحذير من تفويت الفرصة السانحة لاقتناص اللذة، وهكذا أصبحت الكلمة المكررة بؤرة تفرعت عنها الخيوط الدلالية في بناء يعتمد التعاقب في التكرار وصولًا إلى الترابط الكلي للدلالة.

وقد تنمو بنية التكرار وتتسع لتغطي مساحة النص بأكمله، ولعل خير مثال على ذلك قصيدتا (أطبق دجى) [1] و (تنويمة الجياع) [2] اللتان بدا فيهما تكرار الكلمة علامة بارزة على صعيدي الإيقاع والدلالة على حد سواء.

بدأ الشاعر القصيدة الأولى بهذه الأبيات:

أَطْبِقْ دُجَى، أَطْبِقْ ضَبَابُ ... أَطْبِقْ جَهَامًا يَا سَحَابُ

أَطْبِقْ دُخَانُ مِنَ الضَّمِيْـ ... ـرِ مُحَرَّقًَا، أَطْبِقْ عَذَابُ

أَطْبِقْ دَمَارُ عَلَى حُمَا ... ةِ دَمَارِهِمْ، أَطْبِقْ تَبَابُ

أَطْبِقْ جَزَاءُ عَلَى بُنَا ... ةِ قُبُورِهِمْ، أَطْبِقْ عِقَابُ

أَطْبِقْ نَعِيبُ يُجِبْ صَدَا ... كَ البُومُ، أَطْبِقْ يَا خَرَابُ

يتبيّن للمتأمل أن هذه الأبيات تعتمد على تكرار كلمة (أطبق) بصورة كلية، ولمّا كانت القصيدة في مجملها تدور على معاني الغضب اللاهب والتبرم المر بالواقع، كان تكرار كلمة (أطبق) بأصواتها المجهورة دالًا إيقاعيًا على ذلك، فصوت الطاء وصوت القاف من أصوات القلقلة [3] ، وهي أصوات إن لُفِظَتْ ساكنة وجب تحريكها بصُوَيْتٍ [4] ، فالقلقلة في حقيقتها ليست إلاّ مبالغة في الجهر بالصوت [5] ، ويضاف إلى ذلك أن هذين الصوتين (الطاء والقاف) هما من الأصوات المفخمة [6] ، وقد توصلت الدراسات الصوتية الحديثة إلى أن"أعضاء النطق المساهمة (كذا) في إنتاج المفخمات تتوتر وتتشنج بشكل واضح مقارنة بغير المفخمة، لذا قد تكشف لنا تجمعات الأصوات المفخمة في النصوص الشعرية، عن حالات نفسية، ودلالات غائرة، يمكن أن نتتبع آثارها، ويقف عندها الناقد، وهذا يرتكز بالأساس على وضعها النُّطقي الخاص، الذي يحتاج إلى جهد فسيولوجي من جهاز النطق وشدّ عضلي، وعمل دماغي متشابك في منطقة إنتاج الصوت (منطقة بروكا) ."

(1) الديوان: 3/ 407.

(2) م. ن: 4/ 73.

(3) المدخل إلى علم أصوات العربية: 121.

(4) علم الأصوات: 379.

(5) الأصوات اللغوية: 278.

(6) المدخل إلى علم أصوات العربية: 221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت