الصفحة 124 من 213

وهذا العمل العضوي، قد يصاحبه عمل نفسي يعادل الجهد المبذول" [1] ، فكلمة (أطبقْ) بمقطعيها المنتهيين بصوتي قلقلة تحاكي ضربتين متتابعتين من مطرقة أو شيء مماثل ينزلهما الشاعر بدافع من غضبه وثورته على الواقع الميؤوس من إصلاحه، ومع كل تكرار لهذه الكلمة تتأكد حالة الهدم والتخريب والدمار التي يريدها الشاعر لهذه الحياة، ثم إن حالة الغضب والتوتر الشديدة ظهرت في نسيج النص عبر تكرار الأصوات المفخمة التي احتضنتها كلمة (أطبق) ، وهي أصوات تحتاج إلى جهد عضلي ودماغي متآزر في إنتاجها، ممّا يكشف عن حالة التوتر القصوى التي رافقت الشاعر لحظة الإبداع، وهذا لا يدل بالضرورة على تَخَيُّر الشاعر الواعي لكل لفظة ولكل حرف من نسيجه الشعري، فـ"كتابة النص وفق مفهوم تكراري تفترض نوازع لا شعورية أو لا واعية، أما قراءة النص قراءة تكرارية، فهي تستلزم وجود الوعي المسبق بوظيفة التكرار ودلالاته النفسية" [2] ، لذلك كان للحالة المهيمنة على الشاعر تجلٍّ واضح عبر التكرار الذي خلق إيقاعًا حادًّا عالي النبرة أسهم في وضع المتلقي في حالة تُناظر الحالة التي عاشها الشاعر، فإيقاع التكرار يتدفق على النص بأكمله؛ لأن حالة العنف والهياج النفسي مستمرة غير منقطعة حتى نهاية القصيدة التي خُتمت بهذه الأبيات:"

أَطْبِقْ: فَأَنْتَ لِهَذِهِ الـ ... ـسَّـ ... ـوْءاتِ ـ عَارِيَةً ـ حِجَابُ

أَطْبِقْ: فَأَنْتَ لِهَذِهِ الـ ... أَنْيَابِ ـ مُشْحَذَةً ـ قِرَابُ

أَطْبِقْ: فَأَنْتَ لِهَذِهِ الـ ... آثَامِ ـ شَامِخَةً ـ شَبَابُ

أَطْبِقْ: فَأَنْتَ لِصِبْغَةٍ ... مِنْهَا إِذَا نَصَلَتْ خِضَابُ

كُنْ سِتْرَهَا لا يَنْبَلِجْ ... صُبْحٌ وَلا يَخْفِقْ شِهَابُ

أَطْبِقْ دُجَى، أَطْبِقْ ضَبَابُ ... أَطْبِقْ جَهَامًا يَا سَحَابُ

لا شك في أن اختتام القصيدة بتكرار البيت الأول مرة أخرى يجعل من القصيدة دائرة مغلقة، ويُشعر أن الحال لا تزال على صورتها الأولى منذ أن بدأت في شكل تأزم نفسي أفصح عنه التكرار المكثف للكلمة في الأبيات الأولى، وأنه لا يوجد مخرج نحو الانفراج والحل.

أما القصيدة الثانية فيستهلّها بقوله:

نَامِي جِيَاعَ الشَّعْبِ نَامِي ... حَرَسَتْكِ آلِهَةُ الطَّعَام

نَامِي فَإِنْ لَمْ تَشْبَعِي ... مِنْ يَقْظَةٍ فَمِنَ المَنَام

نَامِي عَلَى زُبْدِ الوُعُو ... دِ يُدَافُ فِي عَسَلِ الكَلام

(1) منهج النقد الصوتي في تحليل الخطاب الشعري: 50.

(2) كتابة الذات: 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت