الصفحة 125 من 213

نَامِي تَزُرْكِ عَرَائِسُ الـ ... أَحْلامِ فِي جُنْحِ الظَّلام

تَتَنَوَّرِي قُرْصَ الرَّغِيـ ... ـفِ كَدَوْرَةِ البَدْرِ التَّمَامِ!

وَتَرَيْ زَرَائِبَكِ الفِسَا ... حَ مُبَلَّطَاتٍ بِالرُّخَام

نَامِي تَصِحِّي! نِعْمَ نَوْ ... مُ المَرْءِ فِي الكُرَبِ الجِسَام

نَامِي عَلَى حُمَةِ القَنَا ... نَامِي عَلَى حَدِّ الحُسَام

نَامِي إِلَى يَوْمِ النُّشُو ... رِ وَيَوْمَ يُؤْذَنُ بِالقِيَام

نَامِي عَلَى المُسْتَنْقَعَا ... تِ تَمُوجُ بِاللُّجَجِ الطَّوَامِي

زَخَّارَةً بِشَذَى الأَقَا ... حِ يَمُدُّهُ نَفْحُ الخُزَام

نَامِي عَلَى نَغَمِ البَعُو ... ضِ كَأَنَّهُ سَجْعُ الحَمَام

إن تكرار كلمة (نامي) في هذا النص بكثافة ملحوظة كان كفيلًا، فضلًا عن التكثيف الإيقاعي، بتكثيف طاقة الكلمة المضمونية عبر تنوعها وتفجرها في سياق النص، فالتكرار الظاهري المولّد للإيقاع يتسم بالنمو والحركة الداخلية المطورة للمعنى عبر استناده إلى هذه المفارقات المتعددة التي رُوعي فيها التدرج التصاعدي، فقد بدأت القصيدة بالمفارقة الساخرة بين الأمر بالنوم (نامي) وحالة الجوع (جياع الشعب) ، وهي المفارقة نفسها التي وردت في عنوان القصيدة (تنويمة الجياع) ، وواضح أن العنوان يحيل إلى ضِدَّيْنِ منطقيين (النوم) و (الجوع) ، ثم لا ينفك الشاعر يحشد لهذه الصورة الأولية المبنية على النوم أو الأمر به، وما يُفترض أن يكون مانعًا له، عشرات الصور المؤازرة المعتمدة أساسًا على التكرار، كالأمر بالنوم في حال الكرب الجسام، والأمر بالنوم على رؤوس الرماح وحد السيوف، وعلى المستنقعات الآسنة، وبصحبة أصوات البعوض المزعجة.

لقد كان للشحنة العاطفية القوية المسيطرة على الشاعر من جراء تغابي الشعب وتهاونه ورضاه بالذل، أثر واضح في بروز التكرار بهذه الكثافة، فالكلمة المكررة"أصبحت في السياق الذي وردت به تشكل البؤرة المركزية، التي من خلالها يمكن أن يبرز الهاجس الذي يلح على الشاعر ويضغط عليه، إنها تستطيع أن تجعل القارئ أكثر مقدرة على اكتناه التجربة وتجعله متفاعلًا مع الشاعر في أحاسيسه وانفعالاته" [1] .

وقد ساعد التكرار على دعم المعنى الكلي للقصيدة التي أرادها الشاعر (تنويمة) ، فالكلمة المكررة (نامي) بمقطعيها الطويلين، وبأصواتها التي تأتلف منها وهي حرفا المد (الألف والياء) ، وحرفا (الميم والنون) اللذان يوصفان بأنهما من أشباه المصوتات وأن الغنة لا تفارقهما، قد أسهمت في خلق أجواء تنويمية، حتى غدت القصيدة هدهدة مُنيمة، لا سيما وأن التكرار قادرٌ"على خلق"

(1) التكرار في الشعر الجاهلي: 170، وينظر: قضايا الشعر المعاصر: 276ـ277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت