الصفحة 126 من 213

نوع من فعالية التخدير المغناطيسي" [1] ، وهو ما كان ملائمًا للحالة التي يتوخاها الشاعر من المزاوجة بين الإيحاء الصوتي ودلالة النص، وهو أمرٌ لا يتأتى لمبتغيه بسهولة ويُسْر، بل يحتاج إلى مران طويل وحاسة سمعية صقيلة تهتدي إلى مواطن التلاؤم بين السياقات الإيقاعية وما يخرج من مطاويها من دلالات، فإن"أسمى ما يصل إليه فن الأدب هو أن يجعل الإيحاء اللفظي من القوة والسيطرة وبُعْدِ المدى والحيوية والدقة بمكان عظيم ... وقوة الإيحاء هذه هي التي تضيف شيئًا آخر إلى المدلول العادي للألفاظ" [2] ."

إن تكرار الشاعر لكلمة (نامي) عشرات المرات على امتداد القصيدة لم يكن ليفرغها من شحنتها العاطفية التي اكتنزت بها، فهي وإن توارت في الأبيات (85ـ93) من القصيدة تاركة المجال للمخاطَب بها (جياع الشعب) ليبرز ضمن محاولة إكمال الشاعر للصورة التهكمية التي رسمها له، تعود للظهور في نهاية القصيدة مقترنة بحالة اليأس، بعد أن كانت في التكرارات السابقة تطمح إلى حالة النقيض (اليقظة) المستشفة من التوظيف الساخر لـ (نامي) ، فلم يبق لدى الشاعر سوى أن يزدري الشعرَ نفسَه الذي أراده أداة للتنبيه، لكنه لم يُجْدِ نفعًا وسط قوم نيام:

نَامِي جِيَاعَ الشَّعْبِ لا ... تُعْنَي بِسِقْطٍ مِنْ كَلامِي

نَامِي فَمَا كَانَ القَصِيْـ ... ـدُ سِوَى خُرَيْزٍ فِي نِظَام

نَامِي فَقَدْ حُبَّ العَمَا ... ءُ عَنِ المَسَاوِئِ وَالتَّعَامِي

نَامِي فَبِئْسَ مَطَامِعُ الـ ... ـوَاعِينَ مِنْ سَيْفٍ كَهَام

نَامِي إِلَيْكِ تَحِيَّتِي ... وَعَلَيْكِ، نَائِمَةً، سَلامِي

وقد تجلو مقارنة سريعة بين الطبيعة الصوتية لكل من الكلمتين اللتين استخدمهما الشاعر في القصيدتين آنفتي الذكر عن مدى عمق تحسسه لخواص الأصوات وقدرتها على إثراء المعنى، فمن الناحية الصوتية كانت للحروف في كلمة (أطبق) القدرة على إثارة انتباه السامع عن طريق وقعها القوي وجرسها المفخم، وقد آزرت المضمون المحتدم بالغضب والثورة، في حين كانت حروف كلمة (نامي) ذات ثراء نغمي نابع من غنة صوتي الميم والنون، إضافة إلى القيمة النغمية لصوتي المد الألف والياء، وهما صوتان إذا استعملا في علاقة تآلفية كان لهما تأثير في النفس يحاكي إلى حد كبير تأثير اللحن الموسيقي [3] ، وذلك ما كان مفيدًا للسياق المضموني للقصيدة، يُضاف إلى ذلك أن البنية المقطعية لكلمة (أطبق) تتألف من مقطعين مغلقين بحرفين ساكنين، والحرف الساكن في

(1) اللغة العليا: 116.

(2) قواعد النقد الأدبي: 38.

(3) قواعد تشكل النغم في موسيقى القرآن: 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت