فهرس الكتاب
نفسه"يشبه منبهًا قويًا يقوم بوظيفة القرع" [1] ، فإذا أضيف إلى ذلك أن المقطع الصوتي المغلق له قوة إيقاعية تتجّلى في الصدم والقرع والرجِّ، وأنه ليس أدعى إلى ذلك من تواطؤ الكلمة على مقطعين مغلقين [2] ، عُلم مدى إثراء الإيقاع للبنية الدلالية وشدِّه من أزرها، أما المقطعان المفتوحان في كلمة (نامي) ، فقد ساعدا باستطالتهما، وقوة الغناء الكامنة فيهما، وانسيابهما وامتدادهما مع النَّفَس، في تغذية مضمون النص وشبكته الدلالية بالاعتماد على هذه الضفيرة الإيقاعية المنسوجة من تكرار الكلمة، فالنص الشعري الجيد"هو المنطقة التي تتحول فيها العلاقة بين الصوت والمعنى من علاقة خفية إلى علاقة جلية، وتتمظهر بالطريقة الملموسة جدًا والأكثر قوة" [3] ، وهكذا يتغير الإيقاع المتحرك في النصوص المتعددة في الألفاظ المختارة له، وأصوات هذه الألفاظ ووقعها، بموجب تغير الحالة الشعورية لدى الشاعر، وبحسب ما يريد توصيله من خلال تلك الألفاظ إلى المتلقي.
غير أن تكرار الكلمة الذي يمتد على مساحة النص كله لا يكون دائمًا بهذه الكثافة، فقد لا تستدعي الحالة النفسية أو الإبداعية تكثيف التكرار؛ فيأتي على مسافات متباعدة نسبيًا، كما فعل الشاعر في قصيدته (غيداء) التي مطلعها [4] :
غَيْدَاءُ: عِنْدَكِ لِلصِّبَا مَهْدُ ... صَدْرٌ تَرَبَّعَ"دَسْتَهُ"نَهْدُ
والحقيقة أن تكرار الشاعر لكلمة (غيداء) اثنتي عشرة مرة في بدايات أبيات متفرقة على مساحة النص كله [5] ، كانت له وظيفة فنية إذ فعل فعله الإيجابي على صعيد ترابط الأبيات وتلاحمها، فإعادة الصورة الصوتية للكلمة كانت بمثابة المنبه الإيقاعي إلى أن الجو الشعري واحد لم يتغير، ويمكن تشبيه هذه الحالة بعودة اللحن الأساسي في القطعة الموسيقية المعزوفة، فهي تلمُّ الشتات، وتمنع الإيقاع من التبعثر. كما يمكن أن يُعدّ في هذه القصيدة وفي قصائد أخرى [6] من الحالات التي تخرج عن كون المعنى مقتضيًا له تمام الاقتضاء؛ لأن الذي يقتضيه ويكون سببًا في ظهوره هو ارتباطه بدواخل الشاعر النفسية، وقد أشار ابن رشيق إلى أن الشعراء يكررون الأسماء على
(1) م. ن: 149.
(2) الإيقاع في السجع العربي: 152ـ153.
(3) قضايا الشعرية: 54.
(4) الديوان: 4/ 287.
(5) * في الأبيات: 3 و5 و6 و16 و23 و26 و29 و31 و34 و37 و41 و45.
(6) ينظر: الديوان: 4/ 312ـ314 و5/ 63ـ68.