فهرس الكتاب
جهة التشوق والاستعذاب [1] ، وهي جهة خارجة من ضابط المعنى المسوغ لإيراد التكرار [2] ، كما أنه"قد يُجاء بالتكرار لمجرد إظهار النغم وتقويته" [3] .
وخلاصة القول في تكرار الكلمة الذي يغطي النص بأكمله أنه يتحول إلى"نقطة مركزية في القصيدة التي تحتويه، ترتبط كثير من الدلالات والأفكار به عبر الخيوط التعبيرية المختلفة" [4] ، فضلًا عن أنه يغدو بؤرة إيقاعية توفر الرابطة المتينة بين أبيات القصيدة، وقد انتبه بعض الدارسين إلى خصوصية الجواهري وطول باعه في استخدام الروابط الإيقاعية، وذلك عند مقارنته بثلاثة من الشعراء العرب في هذا المضمار [5] .
وقد يكرر الشاعر كلمتين تكرارًا عموديًا تناوبيًا، فيأتي مرة بهذه الكلمة، ويأتي مرة بتلك، وفي هذه الأبيات بيان ذلك [6] :
سَلامٌ عَلَى طَيِّبَاتِ النُّذُورِ ... سَلامٌ عَلَى الوَاهِبِ النَّاذِر
وَلَيْسَ عَلَى وَاهِبِينَ العَرَاءَ ... ضَحَايَاهُمُ خَشْيَةَ النَّاحِر
سَلامٌ عَلَى غَاصِبٍ مَا يُرِيْـ ... ـدُ مِنْ فَمِ مُسْتَذْئِبٍ كَاسِر
وَلَيْسَ عَلَى رَابِطٍ حَقَّهُ ... بِخَيْطٍ مِنَ الأَمَلِ السَّادِر
بَلِيدٍ يَظُنُّ خَلاصَ الشُّعُو ... بِ يُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ الخَاسِر
سَلامٌ عَلَى خَالِعٍ مِنْ غَدٍ ... فَخَارًَا عَلَى أَمْسِهِ الدَّابِر
وَلَيْسَ عَلَى عَائِشٍ كَالغُرَابِ ... عَلَى جِيَفِ السَّاحِقِ الغَابِر
سَلامٌ عَلَى نَبْعَةِ الصَّامِدِينَ ... تَعَاصَتْ عَلَى مِعْوَلِ الكَاسِر
تَهُبُّ لِتَخْضِدَ مِنْهُ الرِّيَاحُ ... فَتَرْتَدُّ عَنْ خَاضِدٍ قَاهِر
وَلَيْسَ عَلَى غُصُنٍ نَاعِمٍ ... رَشِيقٍ يَمِيلُ مَعَ الهَاصِر
يستند تكرار كلمتي (سلام) و (وليس) في هذا النص إلى مبدأ التناوب، فالكلمة لا تتكرر قبل أن يفصل بينها ويبن مُكَرَّرها الكلمة الثانية، وقد اعتمد التناوب الإيقاعي على تناوب دلالي بين
(1) العمدة: 2/ 74.
(2) كتابة الذات: 103.
(3) المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: 2/ 71.
(4) التكرار في شعر محمود درويش: 36.
(5) الشعر العربي الحديث ـ بنياته وإبدالاتها: 1/ 193، والشعراء الثلاثة هم البارودي وأحمد شوقي من مصر ومحمد بن إبراهيم من المغرب.
(6) الديوان: 4/ 91ـ93.