الصفحة 129 من 213

المعاني الإيجابية المقترنة بـ (سلام) ، والمعاني السلبية المقترنة بـ (وليس) ، وهذا التتابع الإيقاعي الناتج عن تناوب اللفظتين في تكرارهما من شأنه أن يحفز انتباه المتلقي، ويعين على تنشيط آلية التوقع، ويخلق نوعًا من التوتر القائم على الطرف النقيض من التهيؤ لدى السامع، فيتوفر بذلك لإيقاع النص عنصرا التوقع والمفاجأة، وهذه الحالة تتكرر في البيت التاسع الخالي من التكرار، وبذلك يتراكب إيقاع التكرار اللفظي على وفق سلسلة من إشباع التوقعات من جهة، وخيبة الظن والمفاجآت من جهة ثانية.

وكما أسس الجواهري التكرار في النص السابق على مبدأ التناوب، أسس نصًا آخر له على وفق مبدأ التجاوب في التكرار، وذلك في قوله [1] :

كَأَنَّ الطَّبِيعَةَ بِنْتُ القُبُورْ

كَأَنَّ القُبُورَ بُحُورٌ تَدُورْ

كَأَنَّ البُحُورَ سَمَاءٌ تَمُورْ

كَأَنَّ السَّمَاءَ عَجَاجٌ يَثُورْ

كَأَنَّ العَجَاجَ بَشِيرُ النُّشُورْ

كَأَنَّ النُّشُورَ كِفَاحٌ يَطُولْ

الشاهد في هذا النص ليس تكرار كلمة (كأن) في بدايات الأبيات، فذلك هو التكرار العمودي لكلمة واحدة، وإنّما القصد من إيراده هو هذا التكرار لبعض الكلمات في البيت والبيت الموالي له، فلمّا انتهى البيت الأول بكلمة (القبور) التي شبه بها الشاعر الطبيعة، أعادها الشاعر في البيت الثاني مُفرِّعًا منها صورة أخرى فشبهها بـ (البحور) بعد أن كانت مشبهًا به في البيت الأول، ثم يجري العملية نفسها على (البحور) ، وهكذا إلى نهاية المقطع، فالكلمات المكررة تتجاوب مع صورتها السابقة في البيت السابق، وتؤسس ـ عن طريق التشبيه ـ لتكرار آخر متجاوب، وبذلك يصبح التكرار ذا وظيفتين: إيقاعية تكمن في هذا التصادي الصوتي الذي يعمل على تواشج الأبيات في ائتلاف تام، ودلالية تتجلى في توالد الصور وخروج بعضها من أعطاف بعض، وقد اصطلح بعض النقاد على هذا النوع من التكرار الذي يتم فيه المعنى تصاعديًا بـ (توازي الذروة) [2] .

(1) الديوان: 4/ 142.

(2) كتابة الذات: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت