الصفحة 130 من 213

بقي نوعٌ أخير من التكرار اللفظي الذي أفاد منه الشاعر في تغذية الجانب الإيقاعي المتحرك لنصوصه الشعرية، وهو ما يمكن أن يُطلق عليه (تكرار الصيغة) ، وفي هذا النوع لا تتكرر الكلمات بأعيانها، بل تتكرر صِيَغُها الموحدة، كما في تكرار صيغة اسم التفضيل في قوله [1] :

هُوَ أَصْفَى مِنَ اللُّجَيْنِ وَأَوْفَى ... فِي المَعَالِي مِنَ الهِضَابِ وَأَرْسَى

أو تكرار صيغة (استفعل) في قوله [2] :

الشَّهِيَّانِ لُمْلِمَا فَاسْتَدَارَا ... فَاسْتَثَارَا فَاسْتَضْرَيَا فَاسْتَخَفَّا

ثمة إيقاع ينبع من أثناء تكرار صيغ اسم التفضيل (أصفى، أوفى، أرسى) في البيت الأول، ومن تكرار صيغة استفعل (فاستدارا، فاستثارا، فاستضريا، فاستخفا) ، ولا سيما أن الشاعر جانس بين (أصفى) و (أوفى) فبدتا كأنهما قافيتان داخليتان للبيت مع محاولة إيجاد ضرب من التوازن بين شطري البيت، وقد جاء إيقاع تكرار الأفعال المبدوءة بالألف والسين والتاء معززًا بإسناد هذه الأفعال جميعًا إلى ألف الاثنين التي ساعدت على انفتاح المقاطع الصوتية وانشراحها وامتداد الصوت بها، فبدا الجانب الإيقاعي مهيمنًا على البيت، خصوصًا أن كل فعل من هذه الأفعال الأربعة قد جاء على مقاس تفعيلة كاملة من بحر الخفيف، وذلك ما جعل الإيقاع المتحرك البارز في ظاهرة التكرار يندغم ويتطابق مع الإيقاع الثابت (التفعيلات) ، بحيث يُضيء أحدهما الآخر، ويجعله أقدر على التجلّي والتأثير [3] .

وقد يكرر الشاعر الصيغة تكرارًا عموديًا في طائفة من الأبيات، كما فعل في تكراره لصيغة (فَعلْتُ) في قوله [4] :

عَاوَدْتُ بَعْدَ تَغَيُّبٍ لُبْنَانَا ... وَنَزَلْتُ رَحْبَ فِنَائِهِ جَذْلانَا

وَدَرَجتُ أَقْتَنِصُ الشَّبَابَ خَسِرْتُهُ ... ذَا رِبْحَةٍ، وَرَبِحْتُهُ خَسْرَانَا

فَوَجَدْتُ رَيْعَانَ الجَمَالِ وَلَمْ أَسَأْ ... أَنِّي أَضَعْتُ مِنَ الصِّبَا رَيْعَانَا

وَوَجَدْتُ فِي مَرَحِ الحَيَاةِ طُفُولَتِي ... وَشَبِيبَتِي وَكُهُولَتِي سِيَّانَا

وَنَقَضْتُ بَيْنِي وَالكَوَارِثِ مَوْثِقًَا ... وَضَرَبْتُ سَدًَّا بَيْنَنَا النِّسْيَانَا

(1) الديوان: 1/ 237، وينظر: /267 و6/ 130.

(2) م. ن: 6/ 131، وينظر: 5/ 362.

(3) تنظر أمثلة أخرى لتكرار الصيغ كصيغة (فعّال) في الديوان: 4/ 271 و273، وصيغة (فاعل) في: م. ن: 4/ 284.

(4) م. ن: 2/ 345. وينظر في التكرار العمودي للصيغ: م. ن: 3/ 88 و124 و145 و169 و4/ 63 و160 و5/ 69 و94 و363.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت