الصفحة 131 من 213

وَطَلَبْتُ عَوْنَ قَرِيحَتِي فَوَجَدْتُهَا ... سَمْحَاءَ تَبْذُلُ خَيْرَهَا مِعْوَانَا

وَأَثَرْتُ هَاجِعَةَ القَوَافِي لَمْ تَجِدْ ... فِي الرَّاقِدِينَ لِرَكْضَةٍ مَيْدَانَا

قَامَ الجَفَافُ بِعُذْرِهَا وَ اسْتَامَهَا ... خِصْبُ الجِبَالِ مُرُونَةً وَلِيَانَا

وَأَرَيْتُهَا"حَمَّانَةً"فَرَأَتْ بِهَا ... مَلَكًَا يَمُدُّ الشِّعْرَ لا شَيْطَانَا

وَأَرَدْتُهَا تَصِفُ الحَيَاةَ رَقِيقَةً ... وَجَلِيلَةً وَتُجِيدُهَا إِتْقَانَا

فَشَكَتْ إِلَيَّ لُغًى تَضِيقُ حُرُوفُهَا ... عَنْ أَنْ تُسِيغَ السَّجْعَ وَالأَوْزَانَا

يتميز تكرار الصيغة في هذا النص بميزة الانفتاح على مُجمل دلالاته، وبتشابكه المتين مع حركة الذات الشاعرة، ونمُوِّ هذه الحركة، فالنص يبدأ بحركة إيجابية تتمثل في الحضور بعد الغياب، مصاحبة بعاطفة إيجابية هي الفرح، وتظل هذه الحركة آخذة في النمو والتطور، فالشاعر يقتنص الشباب، ويلاحق الجمال، ولا يأسى لفقدان الصبا، ثم ينتقل إلى مستوى آخر من التطور في حركة أحاسيس الذات، فيهدم كل سبب بينه وبين الكوارث والمآسي، ويتعاقد مع الزمان على أن لا يعامله بغير ما هو جيد، وينسى مُوجِعات الماضي التي تلاشت أمام حالة الغبطة والحبور الطافية على سطح مشاعره، والتي كانت باعثًا على قوله الشعر واستدعائه القوافي [1] ، وقد زاد من عمق تشابك تكرار الصيغة (فَعَلْتُ) المسندة إلى ضمير المتكلم مع بنية النص، أن تأثيرها الدلالي المتمثل في الحديث عن الذات قد امتد ليجد أصداءه في مفردات أخرى مقرونة بياء التملك والاحتياز (أني، طفولتي، شيبتي، كهولتي، بيني، يومي، أمسي، قريحتي، إليَّ) ، وبذلك تتحد عناصر الشكل والمضمون اتحادًا عضويًا ناتجًا عن نمو داخلي في النص [2] .

إن تكرار صيغة المفردة الظاهري، مع تلون إيقاعها الكامن في تنوع حروفها، أسهم إلى حد كبير في تلوين الصور الشعرية المنبثقة عنه، إذ تجاوب تنوع الإيقاع ضمن الصيغة الموحدة مع تنوع الدلالات المتفرعة عنه والمنضوية تحت صيغة شعورية واحدة هي الغبطة والفرح، وهي الحالة التي سيطرت على الشاعر وهو إزاء منظر طبيعي خلاب يبعث على السرور، ويُغري بنسيان الماضي الأليم، ويستثير في نفسه المشاعر الإيجابية في إيقاع نفسي كثيف ظهرت آثاره في إيقاع تكراري متحقق في نسيج النص، حتى إذا أفرغ التكرار كثيرًا من الاكتنازات العاطفية أخذ في التقلص والتراجع في البيت الأخير تاركًا المجال للقوافي لتقوم بفعل الشكوى (فشكت) .

ثالثًا/ تكرار العبارات:

(1) أشار ابن رشيق من القدماء إلى أهمية الحالة النفسية الباعثة على قول الشعر في قوله:"قواعد الشعر أربع: الرغبة، والرهبة، والطرب، والغضب" (العمدة: 1/ 120، وينظر: 1/ 95) .

(2) الإبداع الشعري وكسر المعيار: 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت