الصفحة 132 من 213

لا ينتهي التكرار في شعر الجواهري عند حدود تكرار الحرف والكلمة، بل يتعدى ذلك في أحيان كثيرة إلى تكرار العبارة، ولا شك في أن هذا الضرب من التكرار ـ إن أُجيد استعماله ـ يُسهم إلى حدٍّ بعيد في تغذية الإيقاع المتحرك للخطاب الشعري، فالعبارة المكررة تكسب النص طاقة إيقاعية أكبر بفعل اتساع رقعتها الصوتية، ولعلّ تكرار عبارة (يا سامر الحي) على سبيل المثال في الأبيات الآتية نموذج موضح [1] :

يَا سَامِرَ الحَيِّ بِي دَاءٌ مِنَ الضَّجَرِ ... عَاصَاهُ حَتَّى رَنِينُ الكَأْسِ وَالوَتَر

لا أَدَّعِي سَهَرَ العُشَّاقِ يُشْبِعُهُمْ ... يَا سَامِرَ الحَيِّ بِي جُوعٌ إِلَى السَّهَر

يَا سَامِرَ الحَيِّ حَتَّى الهَمُّ مِنْ دَأَبٍ ... عَلَيْهِ، آبَ إِلَى ضَرْبٍ مِنَ الخَدَر

تكرار العبارة في هذه الأبيات يكشف فضلًا عن طاقته الإيقاعية، عن حالة الشوق التي اعترت الشاعر إلى ربوع الحي الذي بقي لصيقًا بذاكرته، والذي وجد في سُمّاره وأهل أنسه ملاذًا من الضجر والكآبة اللذين عجزت أنغام كؤوس الشراب وأوتار المعازف عن تبديدهما.

وكثيرًا ما يكرر الشاعر عبارة وردت في عجز بيت ما في صدر البيت الذي يليه بُغية استقصاء تفاصيل المعنى، فيكسو النص بذلك جمالًا إيقاعيًا مرده إلى أُنس المتلقي بتكرر عبارة هو حديث عهد بها، كما في قوله [2] :

سَكَتُّ وَصَدْرِي فِيهِ تَغْلِي مَرَاجِلُ ... وَبَعْضُ سُكُوتِ المَرْءِ لِلْمَرْءِ قَاتِلُ

وَبَعْضُ سُكُوتِ المَرْءِ عَارٌ وَهُجْنَةٌ ... يُحَاسَبُ مِنْ جَرَّاهُمَا وَيُجَادَلُ

وقوله [3] :

عَانَى لَظَى الحُبٍّ"بَشَّارٌ"وَعُصْبَتُهُ ... فَهَلْ سِوَى أَنَّهُمْ كَانُوا لَهُ حَطَبَا

وَهَلْ سِوَى أَنَّهُمْ رَاحُوا وَقَدْ نَذَرُوا ... لِلْحُبِّ مَا لَمْ يَجِبْ مِنْهُمْ وَمَا وَجَبَا

وربما كرر الشاعر عبارة طويلة تمتد على مساحة شطر بأكمله كما في قوله [4] :

مَاذَا يَضُرُّ الجُوعُ؟ مَجْدٌ شَامِخٌ ... أَنِّي أَظَلُّ مَعَ الرَّعِيَّةِ سَاغِبَا

أَنِّي أَظَلُّ مَعَ الرَّعِيَّةِ مُرْهَقًَا ... أَنِّي أَظَلُّ مَعَ الرَّعِيَّةِ لاغِبَا

يلاحظ أن تكرار الشاعر العبارة في هذا المثال لم يكن حرفيًا، وإنما قصد الشاعر إلى تغيير

(1) الديوان: 5/ 314.

(2) م. ن: 2/ 231.

(3) م. ن: 3/ 87، وينظر: 2/ 50 و3/ 63 و66 و83.

(4) م. ن: 3/ 401.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت