الصفحة 133 من 213

اللفظة الأخيرة منه، منوعًا بذلك دلالة الأشطر، ودافعًا عن المتلقي الإملال الذي قد يصاحب الرتابة.

وأحيانًا يكرر الشاعر العبارة تكرارًا عموديًا على مستوى جملة من الأبيات المتجاورة كما في قوله [1] :

آمَنْتُ إِيْمَانَ الحَجِيجِ بِقَصْدِهِ ... فَهُنَاكَ لِي جَدَثٌ عَلَى البَطْحَاء

آمَنْتُ إِيْمَانَ النَّهَارِ بِشَمْسِهِ ... فَلَقَدْ غُمِرْتُ بِنُورِهَا الوَضَّاء

آمَنْتُ إِيْمَانَ الدِّمَاءِ بِنَفْسِهَا ... فَأَنَا الصَّبِيغُ بِهَا صَباحَ مَسَاء

لا شك في أن اقتران العبارة المكررة بتفصيلات معنوية جديدة في كل مرة قد أتاح لها مسوغ وجودها، وأبعدها عن اللفظية المتكلفة.

ومن التكرار العمودي للعبارة قول الجواهري أيضًا [2] :

سَلامًَا أَيُّهَا الثَّاوُو ... نَ إِنِّي مُزْمِعٌ عَجِلُ

سَلامًَا أَيُّهَا الخَالُو ... نَ إِنَّ هَوَاكُمُ شُغُلُ

سَلامًَا أَيُّهَا النَّدْمَا ... نُ إِنِّي شَارِبٌ ثَمِلُ

سَلامًَا أَيُّهَا الأَحْبَا ... بُ إِنَّ مَحَبَّةً أَمَلُ

سَلامًَا كُلُّه قُبَلُ ... كَأَنَّ صَمِيمَهَا شُعَلُ

فالشاعر في هذه الأبيات يرسل السلام بطريقة متكافئة إلى جميع من ذكرهم (الثاوون، الخالون، الندمان، الأحباب) عن طريق التكرار الإيقاعي لعبارة (سلامًا أيها) ، ثم إنه لمّا أنهى عملية التسليم عَدَل عن تكرار العبارة إلى تكرار كلمة واحدة منها (سلامًا) ليبين أن سلامه مَصُوغٌ في صورة (قُبَل) تكاد تتقد من حرارة الحب وشدة الشوق اللذين كانا سببًا أساسًا في تكثيف التكرار في هذه الأبيات.

وقد لا يستدعي السياق النفسي أو الموقف الشعوري تكثيفًا شديدًا للتكرار، فيأتي على مسافات متباعدة نسبيًا كما في قول الشاعر [3] :

يَا"أُمَّ عَوْفٍ"عَجِيبَاتٌ لَيَالِينَا ... يُدْنِينَ أَهْوَاءنَا القُصْوَى وَيُقْصِينَا

فِي كُلِّ يَوْمٍ بِلا وَعْيٍ وَلا سَبَبٍ ... يُنْزِلْنَ نَاسًَا عَلَى حُكْمٍ وَيُعْلِينَا

يَدِفْنَ شَهْدَ ابْتِسَامٍ فِي مَرَاشِفِنَا ... عَذْبًَا بِعَلْقَمِ دَمْعٍ فِي مَآقِينَا

(1) الديوان: 4/ 219، وينظر: 2/ 347 و3/ 23 و174 و4/ 105.

(2) م. ن: 5/ 239.

(3) م. ن: 4/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت