فهرس الكتاب
وَيَقْتَرِحْنَ عَلَيْنَا أَنْ نُجَرَّعَهُ ... كَالسُّمِّ يَجْرَعُهُ"سُقْرَاطُ"تَوْطِينَا
يَا"أُمَّ عَوْفٍ"وَمَا يُدْرِيكِ مَا خَبَأَتْ ... لَنَا المَقَادِيرُ مِنْ عُقْبَى وَيُدْرِينَا
أَنَّى وَكَيْفَ سَيُرْخِي مِنْ أَعِنَّتِنَا ... تَطْوَافُنَا .. وَمَتَى تُلْقَى مَرَاسِينَا؟!
أَزْرَى بِأَبْيَاتِ أَشْعَارٍ تَقَاذَفُنَا ... بَيْتٌ مِنَ"الشَّعَرِ المَفْتُولِ"يُؤْوِينَا
عِشْنَا لَهَا حِقَبًَا جُلَّى نُدَلِّلُهَا ... فَتَجْتَوِينَا .. وَنُعْلِيهَا فَتُدْنِينَا
تَقْتَاتُ مِنْ لَحْمِنَا غَضًَّا، وَتُسْغِبُنَا ... وَتَسْتَقِي دَمَنَا مَحْضًَا، وَتُظْمِينَا
يَا"أُمَّ عَوْفٍ"حُرِمْنَا كُلَّ جَارِحَةٍ ... فِينَا لِنُسْرِجَ هَاتِيكَ الدَّوَاوِينَا
لَمْ يَدْرِ أَنَّا دُفِنَّا تَحْتَ جَاحِمِهَا ... مُطَالِعٌ يَتَمَلاَّهَا بَرَاكِينَا
يَا"أُمَّ عَوْفٍ"بِلَوحِ الغَيْبِ مَوْعِدُنَا ... هُنَا، وَعِنْدَكِ، أَضْيَافًَا، تَلاقِينَا
من الواضح أن تكرار عبارة (يا أم عوف) أربع مرات في هذا النص قد جاء على مسافات متباعدة، إذ لم تتكرر العبارة قبل أن يفصل بينها ثلاثة أبيات في المرة الأولى، وأربعة أبيات في المرة الثانية، وبيتٌ واحد في المرة الأخيرة، فالتكرار يستند إلى مسافات غير متقايسة للخروج من النمطية التي قد تسبب نوعًا من السأم والملل.
إن ميلَ الجواهري الشديد إلى تقنية التكرار الإيقاعي وولوعه به قد أوقعه في بعض الأحيان في شيء من الانغلاق والجمود كما في المثال الآتي [1] :
يَا قَيْسُ: يَا لُطْفَ الرَّبِيـ ... ـعِ وَوَقْدَ رَوْنَقِهِ الشَّبُوب
يَا قَيْسُ: يَا هَمْسَ الحَبِيـ ... ـبِ يَذُوبُ فِي سَمْعِ الحَبِيب
يَا قَيْسُ: يَا هَزَجَ الرُّعَا ... ةِ يَشِيعُ فِي الحَقْلِ الخَصِيب
يَا قَيْسُ: يَا شَجْوَ"الهَزَا ... رِ"يُهِيبُ بِالغُصْنِ الرَّطِيب
يَا قَيْسُ: يَا حُلُمَ"العَذَا ... رَى"يَزدَحِمْنَ عَلَى"القَلِيبِ"
يَا قَيْسُ: يَا ذَوْبَ"الغَضَا ... رَةِ"قُطِّرَتْ بِأَرَقِّ كُوب
يَا قَيْسُ: يَا لَحْنَ الحَيَا ... ةِ وَنَغْمَةَ الأَمَلِ الرَّتِيب
يَا قَيْسُ: يَا لَمحَ السَّنَا ... يَا قَيْسُ: يَا نَفْحَ الطُّيُوب
يَا قَيْسُ: هَلْ تَدْرِي بِمَا ... خَلَّفْتَ بَعْدَكَ مِنْ نُدُوب
إن محدودية العاطفة وعدم قدرتها على التنامي والامتداد كان من وراء ظهور هذه الصيغة التركيبية الجامدة (يا قيس) ، وعلى الرغم من أن الشاعر قد حاول جعل الصيغة مناسبة لغرض الرثاء بإدخال
(1) الديوان: 3/ 278.