فهرس الكتاب
وهكذا يتصل التكرار الإيقاعي للعبارات والمفردات اتصالًا وثيقًا بحركة النص الداخلية المتنامية، فيصعب تَصَوُّر الدلالات التي يقدمها إلا عن طريق هذا التكرار نفسه.
ولا يقتصر تكرار العبارة على المستوى الجزئي كما مر في الأمثلة السابقة، بل كثيرًا ما تتسع رقعته إلى مستوى كلي يشمل القصيدة كلها أو أجزاء منها، فيشكل بذلك ما يطلق عليه النقاد (اللازمة) [1] ، وهي عادة ما تتكرر على مسافات متباعدة نسبيًا.
والشواهد على هذه الظاهرة الإيقاعية كثيرة، بيد أن البحث سيكتفي بمثال واحد هو قول الشاعر من قصيدة (الدم الغالي) [2] :
خَلِّي الدَّمَ الغَالِي يَسِيلُ ... ضَوْءًا يُنَارُ بِهِ السَّبِيلُ
عُذْرًَا يَقُومُ عَلَى الطُّغَا ... ةِ السَّافِحِينَ، بِهِ الدَّلِيلُ
هَذَا الدَّمُ الرَّقْرَاقُ رَ ... كَّـ ... ـاضٌ لِغَايَتِهِ عَجُولُ
مُتَحَدِّرٌ كَالسَّهْمِ صُلْـ ... ـبًَا لا يَزِيغُ وَلا يَمِيلُ
يَصِلُ المُنَاضِلَ بِالمُنَا ... ضِلِ حِينَ يُعْيِيهِ الوُصُولُ
غُرَرُ الكِفَاحِ إِلَيْهِ تُعْـ ... ـزَى حِينَ تُنْسَبُ وَالحُجُولُ
خَلِّي الدَّمَ الغَالِي يَسِيلُ ... فَلَطَالَمَا جَفَّ المَسِيلُ
وَلَطَالَمَا ذَوَتِ الكَرَا ... مَةُ مِثْلَمَا تَذْوِي الحُقُولُ
هَذَا السَّحَابُ الجَونُ يَسْـ ... ـتَسْقِي بِهِ البَلَدُ المَحِيلُ
خَلِّي الدَّمَ الغَالِي يَسِيـ ... ـلُ كَمَا يَسِيلُ السَّلْسَبِيلُ
عَذْبًَا وَإِنْ غَصَّ الدَعِـ ... ـيُّ ... بِهِ وَإِنْ شَرِقَ الدَّخِيلُ
هَذَا الدَّمُ الرَّقْرَاقُ نَـ ... ـهَّـ ... ـاضٌ بِمَا يُعْيِي حَمُولُ
يُذْكِي بِجَمْرَتِهِ العَزَا ... ئِمَ إِذْ يُبَلِّدُهَا الخُمُولُ
خَلِّي الدَّمَ الغَالِي يَسِيلُ ... فَالبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَبِيلُ
هَذَا الدَّمُ الغَالِي حَيِـ ... ـيٌّ ... فِي تَوَاضُعِهِ خَجُولُ
كَالدُّودِ يَزْحَفُ فِي التُّرَا ... بِ وَعِنْدَهُ المَجْدُ الأَثِيلُ
(1) نحو علم للعروض المقارن: 124، والتكرار في الشعر الجاهلي: 162، والقصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: 204.
(2) الديوان: 4/ 106ـ107.