الصفحة 136 من 213

تَقَحَّمْ فَمَنْ ذَا يَلُومُ البَطِينَ ... إِذَا كَانَ مِثْلُكَ لا يَقْحَمُ

يَقُولُونَ مَنْ هُمْ أُولاءِ الرِّعَاعُ ... فَأَفْهِمْهُمُ بِدَمٍ مَنْ هُمُ

وَأَفْهِمْهُمُ بِدَمٍ أَنَّهُمْ ... عَبِيدُكَ إِنْ تَدْعُهُمْ يَخْدُمُوا

وَأَنَّكَ أَشْرَفُ مِنْ خَيْرِهِمْ ... وَكَعْبُكَ مِنْ خَدِّهِ أَكْرَمُ

إن أول شيء يمكن أن يقال في هذا النص قياسًا على النص السابق، هو أن التكرار لم يعتمد على الصيغة التراكمية المكثفة التي أدت إلى حالة من الانغلاق والتقييد، بل اعتمد على تكرار عبارات وجمل ذات مضامين وصيغ متنوعة، وذلك ما جعل الإيقاع الناجم عن التكرار متنوعًا ومتلونًا،"وهو ما من شأنه أن يلون مستويات النص ويربط بين علاقاته، ويؤلف مفاصل إيقاعية بين بناه وأجزائه تساعد على النمو العضوي المتماسك" [1] ، فنحن نجد تكرارًا لعبارة (أتعلم أن جراح الشهيد) في البيتين الأول والثاني، وتكرارًا آخر لعبارة (تقحم لعنت) في البيتين الخامس والتاسع، وتكرارًا لـ (فإمّا إلى) في البيتين السابع والثامن، وتكرارًا لعبارة (تقحّم فمن ذا) في البيتين الحادي عشر والثاني عشر، وتكرارًا لـ (فأفهمهم بدم) في البيتين الثالث عشر والرابع عشر، ولم يكن تكرار الشاعر لأي من هذه العبارات ملتزمًا بموقع معين من النص، وواضح أن تنويع التكرار عبر عبارات مختلفة، وعدم التزامه بموضع معين يؤشر انتفاء التصميم المسبق وسطوة العقل على عملية التكرار، بعبارة أخرى إن التكرار كان استجابة تلقائية للعاطفة المتحركة المتنامية في ذات الشاعر، تلك العاطفة التي فجرتها في نفسه (جراح الشهيد) المتفجرة دمًا؛ فالنص يتلون بلون الدم الذي تكررت مفردته أربع مرات، فضلًا عن تناثر كلمات في النص تقترن بصورة أو بأخرى بالدم مثل (الرصاص، جدث، المنون) .

ولعل متابعة الخيوط الدلالية المتفرعة عن الصورة التي ابتدأ بها النص، وهي صورة الجراح والدم ستقود إلى الانتباه إلى ضرب آخر من التكرار، وهو تكرار صيغة فعل الأمر الذي تجلَّى في الأفعال (قُل، تقحَّمْ، جرِّبْ، خُضْها، وثَنِّ، أفهِمْهم) ، فالشاعر إزاء موقف يتطلب إحداث فعل من أجل التغيير وصولًا إلى الانتصاف للشهيد المراق دمُه ظلمًا، وهو يستخدم سلطة القول تحقيقًا لذلك، ويوجه خطابه إلى أولئك النفر الذين أقاموا على الذل ليقتحموا ويخوضوا غمار المواجهات ويجربوا ما يقسمه حظهم لهم منها، ولا شك في أن التقحم تلو التقحّم (يلاحظ أن الشاعر كرر فعل الأمر"تَقَحَّمْ"أربع مرات) من شأنه أن يُسهم في انفراج الأزمة وتغيير حال الموصوفين بأنهم (رعاع) ، ليصبحوا وقد انتزعوا لأنفسهم الاعتراف من الجبابرة والطغاة بأنهم أشرف منهم، بل إن كعب أحدهم أكرم من خد الذين ساموا الشعب العذاب والهوان.

(1) السكون المتحرك: 1/ 357.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت