فهرس الكتاب
إن تمكُّنَ الجواهري من استخدام هذا الشكل الإيقاعي يبدو واضحًا من خلال تلك الأمثلة التي تتكرر فيها اللازمة بعد أبيات كثيرة، ممّا يُلقي في نفس المتلقي أن تلك الفواصل الطويلة لا تُلبس الطريقَ على الشاعر؛ لأنه يقيم اللازمة على أساس واعٍ ورؤية واضحة يحفظان القصيدة من الشتات ويسيران بها في اتجاه واحد، وفي قصيدته (لبنان يا خمري وطيبي) ما يوضح ذلك، فقد قال في مطلع هذه القصيدة [1] :
لُبْنَانُ يَا خَمْرِي وَطِيبِي ... هَلاَّ لَمَمْتِ حُطَامَ كُوبِي
ثم أعاد اللازمة التي هي المصراع الأول من البيت بعد أكثر من خمسين بيتًا، فقال في البيت الثامن والخمسين:
لُبْنَانُ يَا خَمْرِي وَطِيبِي ... لا لامَسَتْكِ يَدُ الخُطُوب
وثمة مثالٌ آخر لتكرار اللازمة بعد فاصلة طويلة من الأبيات في قصيدته (يا أبا ناظم) التي نظمها احتفاء بمحمد صالح بحر العلوم وهو رهن السجن، يقول في المطلع [2] :
يَا أبَا نَاظِمٍ وَسِجْنُكَ سِجْنِي ... وَأَنَا مِنْكَ مِثْلَمَا أَنْتَ مِنِّي
ثم قال مكررًا اللازمة في البيت الثاني والسبعين:
يَا أبَا نَاظِمٍ وَسِجْنُكَ سِجْنِي ... وَضَنًى بِي لِلَوْعَةٍ بِكَ تُضْنِي
والجواهري قليل الميل إلى تكرار اللازمة من ذلك النوع الذي يدعوه النقاد (اللازمة الثابتة) ، وإنما كان أجنح إلى استخدام (اللازمة المائعة) ذات التفصيلات الإيقاعية المختلفة، ولعل اختلاف الأبيات المشتملة على تكرار اللازمة في بعض الألفاظ أو في العبارات التالية للازمة المتكررة يضمن إلى حد بعيد نجاح التكرار وينقذه من الرتابة [3] ، ويعمل على بعث الارتياح في نفس المتلقي [4] .
وفي حالات أخرى تمتد العبارة المكررة لتشمل بيتًا برمته يعيده الشاعر في خواتيم بعض قصائده، وكثيرًا ما يكون البيت المكرر تكرارًا لبيت المطلع، فيقوم التكرار عندئذ بوظيفة الربط الإيقاعي بين مفتتح القصيدة وخاتمتها، وكأن الشاعر بتكراره للبيت الأول في نهاية القصيدة يضعنا أمام فعل شعري متكامل، ويلوح لنا بأن قصيدته قد غدت دائرة محكمة أكملت فعل التعبير عن
(1) الديوان: 5/ 47.
(2) م. ن: 5/ 229.
(3) التكرار: 63، وينظر في أهمية تكرار المثال ذي التفصيلات الإيقاعية المختلفة: الإبداع الشعري وكسر المعيار: 105.
(4) البنى الإيقاعية في مجموعة محمود درويش: 66.