الصفحة 142 من 213

وقد حاول بعضُ الدارسين النظرَ إلى هذه الظاهرة في علاقتها بالذات المُبدعة ونشاطها العقلي والنفسي، فقال:"إننا نفترض أن العقل البشري ينظم اللغة بصورة إيقاعية توفِّرُ التوازنَ بينَ عناصر الكلام من حيث الموسيقى والمعنى، فلا يظهر في الجملة عنصر مستقل، بل كل عنصر يستدعي عنصرًا آخرَ أو عناصر أُخرى، إمّا لتحقيق تعادُل إيقاعي أو لتحقيق تعادُل معنوي، وفي الغالب لتحقيق التعادُلَينِ معًا، وذلك كلُّه أمرٌ يخرج عن الفكر النحوي أو الصرفي البحت، ويدخل في الحس والذوق واللاشعور، أي أنه عنصر ذوقي ونفسي أكثر منه تركيبي لغوي" [1] ، كما أشار آخرون إلى أهميتها للمتلقي لما تحمله من قدرة على جذب انتباهه وإثارته وتوجيهه نحو الاستخدام اللغوي الموظّف شعريًا [2] .

وللموازنات الصوتية حضورٌ كبير وواضح في تشكيل الإيقاع المتحرك لشعر الجواهري، وأبسط صورها الموازنة المفردة، وهي المعقودة بين لفظتين متشابهتين في البنية المقطعية لكل منهما، كقول الشاعر [3] :

وَحْشٌ، وَإِنْ رَوَّضَ الإِنْسِيُّ جَامِحَهَا ... قَفْرٌ، وَإِنْ مُلِئَتْ وَرْدًَا وَنِسْرِينَا

فالموازنة في هذا البيت واقعة بين كلمتي (وحشٌ) و (قفرٌ) المتشابهتين في الوزن (فَعْلٌ) .

وحين يريد الشاعر أن يتحرر من حيرة أمرٍ تعادَلَ عنده طرفاه، يخِفُّ إلى السؤال فيقيمه على موازنة صوتية توحي بذلك التعادل كما في قوله [4] :

أَنَاشِدٌ أَنْتَ حَتْفًَا صُنْعَ مُنْتَحِرِ ... أَمْ شَابِكٌ أَنْتَ مُغْتَرًَّا يَدَ القَدَر

فقد وازن الشاعر بين كلمتي (ناشدٌ) و (شابكٌ) ، وكلاهما على وزن (فاعل) ، وإذا كان مجرد ورود اللفظتين على وزن واحد كافيًا لإحداث الإيقاع المتمثل في الموازنة، فإن ورودهما في فضاء موقعي واحد، وهو هنا بداية الشطرين، قد حقق قاعدة الترجيع الدوري القاضية بوضع الألفاظ المتوازنة في موقع واحد من الفقرتين [5] ، وهو أمرٌ غير لازم في الشعر، إلاّ أن تحقيقه ممّا يزيد الإيقاع انسجامًا

(1) في التوازن اللغوي ـ المعادل الإيقاعي والمعنوي: 103. ويُسمّي بعض الدارسين هذا التنظيم اللاشعوري للغة بـ (قانون الآلية اللفظية) وهو المَيلُ إلى إعادة صيغ الكلام التي سبق استعمالها. (الإيقاع في السجع العربي: 134ـ135) .

(2) قراءة النص الشعري الجاهلي: 141 و148. وللقرطاجني كلامٌ تُستشفُّ منه هذه الفائدة، قال:"إن للنفوس في تقارُن المتماثلات وتشافُعِها والمتشابهات والمتضادّات وما جرى مجراها تحريكًا وإيلاعًا بالانفعال إلى مقتضى الكلام" (منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 44ـ45) .

(3) الديوان: 4/ 204.

(4) م. ن: 5/ 311.

(5) الإيقاع في السجع العربي: 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت