الصفحة 143 من 213

وجمالًا، ومن هنا اكتسب الشاهد السابق جمالًا وثراءَ إيقاعٍ تقصر دونهما الشواهد التي تجافي قاعدة الترجيع الدوري، كما في قوله [1] :

مَاذَا يُحَطِّمُ شَاعِرٌ مِنْ صَاغِرٍ ... أَخْنَى الهَوَانُ عَلَيْهِ فَهْوَ حُطَامُ

أو في قوله [2] :

بِمَاذَا يُخَوِّفُنِي الأَرْذَلُونَ ... وَمِمَّ تَخَافُ صِلالُ الفَلا؟!

أَيُسْلَبُ عَنْهَا نَعِيمُ الهَجِيرِ ... وَنَفْحُ الرِّمَالِ، وَبَذْخُ العَرَا!!

بَلَى! إِنَّ عِنْدِيَ خَوْفَ الشُّجَاعِ ... وَطَيْشَ الحَلِيمِ، ومَوْتَ الرَّدَى

فقد وازن في المثال الأول بين (شاعر) و (صاغر) دون أن يضعهما في موقعين متماثلين من فضاء البيت، كما أجرى الموازنة على كلمتي (نفح) و (بذخ) في البيت الثاني من المثال الثاني، والكلمات (خوف) و (طيش) و (موت) في البيت الثالث، غير أن بالإمكان الانتباه إلى أن الكلمات المتوازنة في عجز البيت الثاني تُناظر في موقعها الكلمات المتوازنة في عجز البيت الثالث، فأصبح هذا الأخير صورة إيقاعية تُكافئ، إجمالًا، الصورةَ الإيقاعية لعجز البيت الثاني [3] .

وقد يأتي الشاعر بكلمة ذات وزن معين قبل لفظة القافية، ثم يجيء بلفظة القافية موازنة لها، فيخلق بذلك ضربًا من التلاؤم الإيقاعي يجعل من كلمة القافية مستقرة في قرارها الإيقاعي الأخير، ومثال ذلك قوله [4] :

حِجَجٌ مِئُونٌ، دُونَ شَهْقَتِهَا ... شَهَقَاتُ مَخْنُوقٍ، وَمَصْلُوب

أَعْطَتْ، وَأَغْنَتْ، وَاسْتُرِدَّ بِهَا ... أَنْفَاسُ مَحْزُونٍ، وَمَكْرُوب

فكلمة (مخنوق) توازن كلمة (مصلوب) ، وهي بذلك تقوم بدور المُمَهِّد الإيقاعي للقافية، والشيء نفسه يُقال عن كلمتي (محزون) و (مكروب) ، وغير ذلك من الشواهد [5] .

وربّما وازنَ الشاعرُ بين كلمة القافية وكلمة قبلها توافقها في الوزن والسجع [6] ، كما في قوله الآتي [7] :

(1) الديوان: 3/ 277.

(2) م. ن: 3/ 206.

(3) وتلك ظاهرة يسميها علماء البلاغة بالتطريز، ينظر: كتاب الصناعتين: 425.

(4) الديوان: 7/ 27.

(5) م. ن على سبيل المثال: 3/ 217 و233 و245 و4/ 174 و193 و212 و5/ 88 و98 و92 و93 و101 و124 و195.

(6) وذلك ما يُسمّى بـ (السجع المتوازي) ، ينظر: البلاغة العربية في ثوبها الجديد: 3/ 127.

(7) الديوان: 7/ 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت