الصفحة 161 من 213

فقد جاء التوازن في هذا البيت بين التركيبين (لهاثٌ على الجرحى) و (نواحٌ على الصرعى) ، وممّا زاد من أثر إيقاع هذه الموازنة التركيبية أنها اقتسمت إيقاع البحر العروضي (الطويل) بالتساوي، فاستقلّ كلُّ تركيب بنصف تفعيلات العجز؛ أي إن كُلاًّ منهما كان على وزن (فعولن مفاعلين) ، وذلك ما من شأنه أن يُبرز إيقاع البحر ويعزّزه لتلتقطه الأذن بسهولة. كما يُمكن الانتباه إلى أن الموازنة في المثالين السابقين تخيّرت الشطر الثاني موقعًا لها؛ وذلك"راجعٌ إلى أن العجز في بيت الشعر يتوّج التركيب ويحتضن القافية، فمن الطبيعي أن يظهر فيه أثر الفن أكثر من الصدر" [1] .

ثم تتّسع بنية الموازنة الصوتية أكثر لتلقي بظلالها على مساحة البيت كُلِّه، بعد أن كانت مُنبسطة على مساحة شطر واحد، كما في قول الجواهري [2] :

إِنْ أَكُنْ أَصْغَرَ المُجِيدِينَ سِنًَّا ... فَأَنَا أَكْبَرُ المُجِيدِينَ نَفْسَا

الذي وضع فيه كُلّ لفظ من الصدر بإزاء لفظ متفق معه في الوزن والموقع من العجز، باستثناء (إن أكن) الذي وُضِع مقابلًا لـ (فأنا) ، بالرغم من أنهما غير متفقين في الوزن، فالأول وزنه (فاعلن) والثاني وزنه (فَعِلن) ، غير أن إيقاع الوزن الذي يسمح بمثل هذا التغيير في وزن الوحدات [3] جعل ذلك سائغًا غيرَ نابٍ عن موضعه، ومن ثمَّ لم تنقص الموازنة شيئًا من جمالها.

وإذا كانت الموازنة في المثال السابق حاصلة بين تركيبين أحدهما جملة شرطية والآخر جوابٌ لها، فإنها حصلت في أمثلة أخرى بين تركيبين أحدهما مبدوءٌ بمبتدأ والثاني مبدوءٌ بخبر المبتدأ، كما في قول الشاعر [4] :

هَذِي الأَكُفُّ عَلَى الصُّدُورِ نَوَازِلًا ... مِثْلُ الغُيُوثِ عَلَى الزُّرُوعِ سَوَاكِبَا

وقد تقع الموازنة بين تركيبين يحتضن أحدهما المبتدأ والآخر الخبر، ولكن بعد دخول (إنّ) الناسخة على التركيب الأول، كما في قوله:

إِنَّ المُشَيَّعَ مَدَّتْهُ عَزَائِمُهُ ... مِثْلُ المُحَنَّكِ أَغْنَتْهُ تَجَارِبُهُ

ولعلّ أكثر نماذج الموازنة الصوتية القائمة بين تركيبين انتشارًا في شعر الجواهري هو ذلك النمط القائم على تشابه نسقين نحويين يحتلُّ كُلٌّ منهما شطرًا من البيت، وفي المثال الآتي إيضاح [5] :

لَمْ يَجْزِ غُرَّ القَوَافِي مَنْ لَهَا نَذَرُوا ... نُفُوسَهُمْ، وَإِنِ اشْتَطُّوا، وَإِنْ جَهِدُوا

(1) خصائص الأسلوب في الشوقيات: 77.

(2) الديوان: 1/ 238.

(3) * يجوز دخول الخبن على تفعيلة (فاعلاتن) من بحر الخفيف فتصير بذلك إلى (فَعِلاتن) .

(4) الديوان: 3/ 396.

(5) م. ن: 5/ 359، وينظر: 3/ 400.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت