الصفحة 80 من 117

، و قد عرف عن رجال الدين هؤلاء الانصراف عن الزواج ، وملازمة الزهد والتقشف (1) ، إلا أن هذه الصفات ما لبثت أن تلاشت بعد أن انفتحت عليهم الدنيا بحلول القرن التاسع للهجرة / الخامس عشر للميلاد حيث ظهرت عليهم مظاهر النعيم و الترف واتصلوا بقصور النُبلاء وتقربوا إليهم وراعوا مصالحهم الخاصة ، حتى فقد العامة ثقتهم فيهم (2) .

و إذا تأملنا ما عرفناه من عقائد البوغوميل تأكد لدينا أنها عقيدة نصرانية في الأصل ، وإن كان فيها ما يوافق المانوية من حيث تعدد الآلهة ، وبعض ما يوافق الإسلام كالبعد عن مظاهر وثنية كثيرة من قبيل التعلق بالصلبان و النواقيس و غيرها غير أن هذا لا يسوغ بحال ما وقع فيه بعض الكتاب المسلمين ، حينما أدخل البوغوميل في دائرة التوحيد (كذا ) بلا دليل ولا برهان سوى أنهم لا يقولون بالتثليث (3) ، هذا إذا ثبت أنهم لا يقولون بالتثليث أصلًا ، وهي مسألة تجاذبتها الأدلة ولم نقف فيها على مرجح

مقبول .

و لا يخفى أن التوحيد الذي يعني إفراد الله بالألوهية و الربوبية ليس مجردَ نفيٍ للثالوث المزعوم عند النصارى فما أكثر من نفى الثالوث وأشرك مع الله مالا يكاد يحصى من الآلهة .

(1) ... هذا المظهر من مظاهر البوغوميليَّة ليس - كما يظنُّه البعض - علامةً على أنَّ ديانة البوغوميل قريبة من النصرانيَّة المنزلة على نبيِّ الله عيسى عليه السَّلام ، بل على العكس من ذلك ، هي علامةٌ على التحريف و التزييف ، لأنَّ الرهبانيَّة حالةٌ مُبتدعةٌ في النصرانيَّة . قال تعالى: { و رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حقَّ رعايتها } [الحديد: 27] .

(2) ... نياز شُكريتش: انتشار الإسلام في البوسنة و الهرسك ، ص: 74 .

(3) ... قال الأستاذ أشرف المهداوي في كتابه: قصَّة البوسنة ، ص: 100 ما نصُّه: ( كما أنهم لا يقولون بالتثليث ، و بذلك يدخلون في دائرة التوحيد ) ، فتامَّل !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت