فهرس الكتاب
وخطبة له رضي اللّه عنه: أما بعد، فإنّ الدنيا قد أدبرت وآذنت بوَداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلا، وإن المضمار اليوم والسِّباق غدًا، ألا وِإنكم في أيام أمل، ومِن ورائه أجل، فمن أخْلَص في أيام أمله، قبل حُضور أجله، نفعه عملُه، ولم يَضره أملُه؛ ومن قَصر في أيام أمله، قبل حُضور أجله، فقد خَسِر عملُه، وضَجره أمله. ألا فاعملوا اللّه في الرغْبة، كما تَعملون له في الرَّهبة. ألا وإني لم أر كالجنَة نام طالبها، ولم أر كالنَار نام هاربها. ألا وإنكم قد أمِرْتم بالظَّعْن، ودُللتم على الزّاد، وإن أخوفَ ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطولُ الأمل.
وخطب أيضًًا فقال: أيها الناس، احفظوا عنّى خمسًا، فلو شَددتم إليها المَطايا حتى تُنضوها لم تَظفروا بمثلها: إلا لا يرجونِّ أحَدُكم إلا ربّه، ولا يخَافن إلا ذَنبَه، ولا يَسْتَحي أحدُكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عمّا لا يعلم أن يقول: لا أعلم؛ أي وإن الخامسةَ الصَبر؛ فإن الصبرَ من الإيمان بمنزلة الرأس من الجَسَد. مَن لا صَبْر له لا إيمان له، ومَن لا رأسَ له لا جَسد له. ولا خير في قراءة إلاَّ بتدبّر، ولا في عبادة إلا بتفكر، ولا في حِلْم إلا بعلم. ألا أنبئكم بالعاِلم كُلِّ العالم، مَن لم يُزيِّن لعباد اللّه معاصيَ الله، ولم يؤمنهم مَكْرَه، ولم يُؤْيِسهم من رَوْحه، ولا تُنْزلوا المُطِيعين الجَنَّة، ولا المُذْنبين المُوَحدين النار، حتى يَقْضيَ اللّه فيهم بأمره. لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذابَ اللهّ، فإنه يقول: فَلاَ يَأمن مَكْر َاللهّ إلا القومُ الخاسِرُون، ولا تُقْنِطوا شرّ هذه الأمة من رحمة اللهّ، فإنّه لا ييأس من رَوْح اللّهِ إلا القومُ الكافرون. (يوسف)
أشهر الدعاة في عصر صدر الإسلام وهديهم في الدعوة