فهرس الكتاب
وهذا عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يوزن بين يديه مسك للمسلمين، فأخذ بأنفه حتى لا تصيبه الرائحة وقال: هل ينتفع منه إلا بريحه، قال ذلك لما استبعد ذلك منه، وهذا من ورعه رحمه الله، وهذا الفضيل بن عياض رحمه الله كانت له شاة فأكلت شيئًا يسيرًا من علف بعض الأمراء، فلم يشرب لبنها بعد ذلك.
وقال ابن المبارك رحمه الله: لأن أردّ درهمًا من شبهة؛ خير من أن أتصدق بمئة ألف ومئة ألف ومئة ألف.
وهذا رسولنا ( سيد المتقين وإمام الورعين مرّ بتمرة فقال: لولا أن تكون صدقة لأكلتها. وخبر أبي بكر واستقياؤه معلوم مشهور، أما البعد عن مواضع الريبة ومسالك التهم فواجب، ولهذا فإن من فعل ذلك لا يأمن من إساءة الظن به وسقوطه من أعين الناس فلا ينفع نصحه ووعظه، وهذا رسولنا ( المعصوم الذي لا يظن به مسلم أبدًا سوءًا يقول وقد رآه اثنان من أصحابه مع زوجه(إنها صفية) فيكبر على الصحابيين ذلك فيجيبهما: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في الجسد وإني خشيت أن يدخل عليكما) . فينبغي للداعية والخطيب أن يتحرز عن كل ما يوهم نسبته إلا مالًا يليق لئلا يوجب سوء الظن به وإن كان له مخلص فذلك سبب لعدم الانتفاع به وبإرشاده.
وعن علي ( قال: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره فرب سامع نكرًا لا تستطيع أن تبلغه عذرًا.
8-علو الهمة: فينبغي للخطيب أن يكون كبير الهمة عالي النفس مترفعًا عن الدنايا والسفاسف يستصغر ما دون النهاية من معالي الأمور ومثل هذا الخطيب يرتفع بهمم جمهوره واهتمامهم فيصبغون بصبغته ويتخلقون بأخلاقه، وإنما كانت همة الصحابة رضي الله عنهم على هذا النحو العظيم لتأثرهم بهمته عليه السلام وعلو نفسه الشريفة حتى كان الشجاع منهم من يكون قريبًا منه في ساحات الوغى.